في المجتمعات العربية يجب أن تتوارى الفتاة عن الأنظار، فتنشأ على ضرورة تغطية نفسها، وإذا تزينت يجب أن تتوارى عن إخوتها وأبيها، ولا يجوز للفتاة أن تنظر في المرآة لنفسها وهي عارية كي لا يتلبسها جان، وأن كل ما هو زينة للمرأة هو حرام بالضرورة ما لم يكن للزوج فيحل، تنتظره طوال حياتها حتى يختارها هذا الزوج فيدفع لها مهرا مقابل أن يتمتع بها، وأقصى أحلامها المقبولة اجتماعيا هو تأثيث منزلها، وأبسطها مفاجأة زوجها لها بعشاء مطعم خارجي كي تأخذ استراحة من المطبخ.

لديهم مبررات كثيرة لهكذا قوانين، أولها الموروث الديني، وثانيها عادات الجاهلين، وآخرها احتمالية أن يتم التحرش بها، وقد يكون أحد محارمها الذي قد يبرر له بالطيش وهي تُسجن في غرفتها كي لا تكون سببا في حدث آخر يسبب فضيحة!

وإن تزوجت هذه الفتاة المسكينة، يعاملها زوجها كابنته، لا يريها إلا ما يريده أن تراه. دائما يشك بها إذا لم تكن بكامل انتباهها، فما يشغل بالها شحيحة الأدب؟ ولا تعامل كإنسان ذات كيان وقرار ووجهة نظر كشريك حياة، إنما شخص عاطفي لا يمكن الاعتماد على رأيه لأن عقله ناقص «عُرفاً»، حتى عاطفتها لا تحترم لنقص عقلها المزعوم، ويتمثل بجسدها الشيطان لشدة إغوائها للرجل حتى وإن لم تكن فاعلة!


فتحاول الفتاة التشبه بالولد كي لا تُتهم أخلاقيا، أو يرغب بها فاجر، وهذا ما رفع معدلات اختلال الهوية لدينا، حيث إن الإنسان لا يمكن له أن يعيش بهوية مجرّمة بالضرورة وبالتالي سيحاول أن يكون بهوية تُحترم، أو على الأقل تحميه من أي محاولة تعد، ولنا في قصص التحرش عبرة، حيث إن نسبة كبيرة من الفتيات ذوات الهوية المضطربة تعرضن للتحرش في صغرهن، فتكونت عقدة لديهن من حقيقتهن، وقررن أخذ دور الحلقة الأقوى لحماية أنفسهن.

غير مقبول لدى العائلات العربية الكلمات اللطيفة والغزلية لأبنائهم، وذلك نابع من منطلقين، الأول وهو التربوي، حيث إن العرف الاجتماعي العربي يرى أن القسوة تقوي الأبناء وتصقل شخصياتهم، يظهر ذلك جليا في القصص المحكية والمكتوبة في كتبنا العربية، والآخر منطلق شخصي للوالدين والذي يكون خليطا ما بين طفولتهم البائسة ومبادئهم الشخصية الناتجة عن هذه الطفولة، ونعود كل مرة في أي اختلال اجتماعي أو فردي إلى الخطاب الديني المسيطر، الذي يصور لهم أن الكلمة الجميلة هي نوع من إمالة النفس، والإمالة هي بداية الغواية، والغواية باب من أبواب الزنا، وهنا يقع الإنسان في الحرام، فحرمونا من الكلمة الطيبة.

فأصبح هذا السؤال غير المنطقي يحتاج إجابة: هل الأنوثة أمر لا أخلاقي؟