في الأيام الأخيرة، أعادت قرارات إعادة هيكلة بعض البرامج الجامعية في جامعة الملك سعود، إلى جانب النقاش المتصاعد حول فرص التوظيف للأطباء والممارسين الصحيين، طرح هذه الأسئلة إلى الواجهة من جديد. ورغم أن هذه القرارات لا ترتبط مباشرة بالتخصصات الصحية، إلا أنها كشفت عن قلق أوسع: هل ما يدرس في الجامعات ما زال يقود إلى واقع مهني واضح؟
يدخل الطالب كلية الطب أو أحد التخصصات الصحية وهو يرى طريقا واضحا، معرفة تكتسب، مهارات تمارس ثم وظيفة يفترض أن تكون في انتظاره. لكن ما يكتشفه لاحقا أن الطريق لم يعد خطا مستقيما إنما شبكة من المسارات بعضها لا يرى داخل القاعة الدراسية وهنا تبدأ المفارقة. لسنوات طويلة كان المسار المهني في التخصصات الصحية يبدو مستقرا. لكن ما تغير اليوم ليس عدد الخريجين فقط، بل طبيعة النظام الذي يفترض أن يستوعبهم.
مع التحول الصحي، وظهور نماذج تشغيلية جديدة عبر شركة الصحة القابضة والتجمعات الصحية، أصبح التوظيف أكثر ارتباطا بالاحتياج الفعلي، وأكثر دقة في اختيار الكفاءات، وأقل اعتمادا على التوسع العام. وهذا التحول رغم ضرورته كشف فجوة كانت موجودة لكنها لم تكن مرئية أو لم تكن محط اهتمام. في المقابل لا يزال التعليم في كثير من الأحيان يسير بإيقاع مختلف. يتم تعليم الطالب ليكون ممارسا في مسار محدد وكأن هذا المسار هو الخيار الوحيد.
لكن الواقع لم يعد كذلك؛ الطب لم يعد محصورا في العيادة ولا في غرفة العمليات، بل امتد إلى مجالات متعددة تتقاطع مع التقنية، والإدارة، والبحث، وريادة الأعمال والاقتصاد الصحي. فمثلا الذكاء الاصطناعي لم يعد مجرد أداة مساعدة، بل أصبح شريكا في قراءة الأشعة، وتحليل البيانات، ودعم القرار السريري. وهذا لا يلغي دور الطبيب، لكنه يعيد تعريفه. في هذا المشهد، تظهر الفجوة الحقيقية ليس لأن الخريج غير كفء إنما لأنه تم إعداده لمسار واحد في عالم لم يعد يعمل بمسار واحد.
حتى المرحلة الانتقالية بين الدراسة والعمل تعكس هذا الخلل. التخرج لا يكفي، والتدريب ما بعد التخرج محدود، فيبقى البعض في مساحة غير واضحة. وهذا لا يعني أن النظام لا يحتاجهم، بل أن الطريق إليه لم يصمم بشكل متكامل. وفي خضم هذا النقاش يطرح سؤال متكرر، هل الحل في تقليل وتقنين القبول أو إغلاق بعض البرامج في الجامعات؟
قد يخفف ذلك الضغط مؤقتا لكنه لا يعالج جوهر المشكلة. لأن القضية ليست فقط في عدد الخريجين، بل في كيفية إعدادهم، وتنوع المسارات المتاحة لهم. الأكيد أن الحل الأمثل - في اعتقادي - لا يكمن في تقليل الأبواب، بل في فتح أبواب مختلفة.
وهو ما بدأ يظهر اليوم بين بعض الخريجين من إدراك مبكر لهذا التحول. لم يعد الجميع ينتظر الوظيفة التقليدية فقط، بل بدأوا يستكشفون مسارات أخرى كالعمل مع شركات التأمين والأدوية والأجهزة الطبية، المشاركة في الدراسات السريرية، الدخول في مجالات التقنية الصحية، أو حتى العمل في الاستشارات وعبر تطبيقات الطب الاتصالي.
هذه ليست حلولا بديلة إنما انعكاس لاتساع معنى التخصص الصحي. لكن المشكلة أن هذه المسارات لا تزال تكتشف بعد التخرج لا أثناء الدراسة. هنا يكمن التحدي الحقيقي للتعليم الطبي. فلم يعد المطلوب فقط تخريج ممارسين صحيين إنما إعدادهم لعالم تتغير فيه المهنة والممارسة نفسها. تعليم يمنح الطالب القدرة على العمل في العيادة أو في البحث أو في التقنية، أو في إدارة الأنظمة الصحية أو في التأمين الصحي ونحوها. تعليم لا يقدم مسارا واحدا... بل يفتح أفقا.
في النهاية، ما نراه اليوم ليس أزمة وظائف بالمعنى التقليدي إنما لحظة مواجهة مع واقع لم يعد يقبل المسارات المغلقة.
النظام يتغير، والمهنة تتغير، لكن السؤال الحقيقي لم يعد عن عدد الفرص، بل عن قدرتنا على الاستعداد لها. فالمستقبل لن ينتظر من يسير في طريق واحد، ولا من يراهن على مسار ثابت.
وهنا يبدأ الفرق: بين من ينتظر مكانه في النظام... ومن يصبح جزءا من إعادة تشكيله.