في مراهقتي، كنتُ أستمتع أيما استمتاع بقصص أجاثا كريستي –التي تعتبر بلا شك من أعظم وأشهر مَن كتب قصص الجريمة في القرن العشرين– فقد كنت أقضي الأوقات الطويلة في قراءة عدد كبير من تلك القصص التي عثرت عليها صدفة في أحد أرفف مكتبة المنزل، ولا أدري حتى اليوم من المالك الحقيقي لها، هل هو والدي أم أحد إخوتي الأكبر سنا مني.

التساؤل في عنوان المقال، كان يلح علي منذ سنوات طويلة، ومع ذلك لم أكتب عنه أي شيء. ولكن الإلحاح زاد في الفترة الأخيرة، نتيجة التصاعد الهائل في قصص الجريمة التي صارت تنهمر كالمطر في كل حين، وبمختلف الطرق والوسائل.

فالمسلسلات التلفزيونية والأفلام السينمائية أصبحت مليئة بهذه القصص، إلى درجة يمكن القول معها إن غالبها يحتوي على جرائم بشكل أو بآخر.. ومواقع وتطبيقات الفيديو والتواصل الاجتماعي لا تقل عنها أيضا في عرض قصص الجرائم.. والروايات والقصص المطبوعة والمنشورة ورقيا أو إلكترونيا أصبحت هي الأخرى تفيض بقصص الجريمة بشكل لافت.


والكثير من الناس في اعتقادي –إن لم يكن الغالب منهم– يستمتعون مثلي بمتابعة قصص الجريمة وحكايات المجرمين، بل ويبحثون عنها سواء شعروا أو لم يشعروا، وهذا ما دفع الكتّاب والمنتجين وصنّاع المحتوى إلى التركيز على هذا النوع من القصص التي تحظى بهذه الشعبية الجارفة؛ لتحقيق الكثير من الربح المالي أو الشهرة أو غير ذلك من الأهداف، إلى درجة قد يصح القول معها: إنّ الاستمتاع بقصص الجريمة صار شكلا من أكثر أشكال الترفيه انتشارا، ومن أنجحها أيضا من حيث عدد المتابعين.

والسؤال الأول الذي أهدف إلى الإجابة عنه في هذه المقالة، هو: لماذا يستمتع الكثيرون بقصص الجريمة، سواء كانت قصصا حقيقية حدثتْ بالفعل، أو كانت قصصا من نسج الكتاب والقصاص، وسواء كانت مستوحاة من الواقع وتحاكيه، أو كانت من خيالات بعيدة كثيرا أو قليلا عنه.

احترت كثيرا في هذا السؤال، وفكرت طويلا وأنا أبحث عن إجابة مقنعة، حتى وصلت إلى ما أعتقد أنّه قد يكون جوابا يستحق التأمل، وهو أننا نستمتع بقصص الجريمة لعدة أسباب في نظري:

1- الفضول وحب استكشاف العالم، والرغبة الخفية في معرفة طريقة تفكير الجناة، ودوافع الشر، الذي يعتبره تيار من الفلاسفة الأصل في الإنسان، مع ضرورة الإشارة إلى التيارين الآخرين، اللذين يرى أحدهما العكس، وأنّ الأصل في الإنسان الخير، بينما يرى الآخر أن الإنسان خليط من الخير والشر، ودوافعهما.

2- التنفيس عن النفس، وما يدور داخلها من صراعات ذات علاقة بالخوف والمشاعر السلبية، حيث يختبر المرء ذاته إن صح التعبير، مما يشعره بشيء أو بنوع من الأمن الداخلي بصورة أو بأخرى، فهو يتعرف على مخاوفه ويواجهها دون التعرض لخطر فعلي، وهذا قد يفيد أيضا كنوع من التمرين على مواجهة الخطر، مما يجعل المرء مستعدا للتصرّف حين يواجه خطرا حقيقيا في الواقع.

3- أخذ العبرة، وزيادة مستوى الوعي والحذر والوقاية والحيطة، ولن نجد هنا أجمل من قول أبي فراس الحمداني:

عرفتُ الشر لا للشر لكن لتوقيه ** ومَن لا يعرف الشر مِن الخير يقع فيه

فلا شك أنّ قصص الجريمة، وخاصة الواقعية منها، تعلم الإنسان كيف يحمي نفسه من الوقوع ضحية في أيدي المجرمين، من خلال معرفة أساليبهم.

4- الإثارة والتشويق، والتفكير في الألغاز التي تطرحها تلك القصص، فالكثيرون يعشقون حل تلك الألغاز والتنبؤ بالقادم في القصص وكيف ستكون نهاياتها، من خلال تأمل مقدماتها وبداياتها بكل ما فيها من أدلة ومؤشرات. وهذا ممتع جدا، ومفيد أيضا – في نظري – لعقل الإنسان، حيث يمارس التحليل والتفكيك وربط الخيوط ببعضها، وهذا نافع لتطوير الذكاء والقدرات العقلية والفلسفية.

5- التعاطف مع الضحايا من جهة، والاستفادة من أخطائهم من جهة ثانية، حيث تنمي هذه القصص في دواخلنا أحيانا مشاعر الرحمة والعطف وتزيد مستوياتها، وأيضا: تعلمنا كيف نتجنب الأخطاء التي وقع فيها الضحايا لو حصل لنا ما حصل لهم.

6- في كثير من هذه القصص، يشعر المتابع برغبة في معرفة مصير الجاني أو المجرم، وينتظر بلهفة لحظة سقوطه أو نهايته أو القبض عليه أو ما شابه، وفي هذا تعزيز لنزعة جميلة موجودة عند الكثيرين، وهي الميل للعدل وكبح جماح الجناة وحماية الناس منهم، وهي نزعة ذات علاقة في نظري بغريزة البقاء، ويطول شرح ذلك.

أما الأسباب السابع والثامن والتاسع، ففيها شيء من العمق، من خلال مصطلحي (السيكوباتية، والسادية)، ولذلك سأبدأ بهما المقالة القادمة، حيث سيكون الجزء القادم عنهما، وعن سؤال مهم ذي علاقة، وهو: هل في الاستمتاع بقصص الجريمة خطأ أخلاقي؟ فإلى ذلك الحين.