مثلت (العصبية) بكل أشكالها، وتفرعاتها ومخرجاتها ونتائجها، واحدا من أعقد وأكبر مآزق وأزمات منطقة الشرق الأوسط، على مدى أزمنة طويلة. يغوص كتاب (التنشئة على العصبية) في بواطن هذا المفهوم الحاضر/ الغائب دوما في حياة المجتمعات العربية والشرق أوسطية على السواء، إضافة لقراءة ناقدة لواضع أول كتاب عربي في علم الاجتماع «نقولا حداد» وسيره على خطى من سبقه من النهضويين العرب، الذين وقعوا في فخ النقل الحرفي للنظرية الغربية.

يقول مؤلف الكتاب ،فريدريك معتوق مفتتحا كتابه «بما أن هذا المفهوم مغيب أكثر مما هو غائب، تبين لي تدريجيا أن ما يظهر منه أقل بكثير مما ينطوي عليه.

لذلك، كان لا بد من الغطس عميقا في أبعاده ما قبل السياسية (السهلة المنال)، بغية تلمس وفهم وحصر قدر المستطاع أصوله ومنابعه المعرفية الأولية في الاحتضان والتربية البيتية والأهلية التي تتحول، عند تبلورها، إلى سلوك اجتماعي متكامل».

التنشئة المعرفية

الكتاب هو خلاصة بحث اشتغل عليه المؤلف عقدا من الزمان، ويصفه معتوق بقول «هو بحث يشبه التحري عن منابع النيل الذي يطل بكامل حضوره في مصر والسودان وإثيوبيا، فيما هو ينبع من جداول صغيرة في أعالي جبال كينيا ، في قلب القارة الإفريقية. وهذه الجداول الصغيرة التي يستحيل من دونها ظهور نهر العصبية الكبير، تقع في التنشئة الاجتماعية، علما أنه سرعان ما يتبين للباحث في مجال التنشئة الاجتماعية أن التسمية الأدق لهذا المفهوم هو التنشئة المعرفية، ذلك أن ما يحصل إبان هذه العملية التي تبدأ منذ ولادة الطفل الرضيع وتتابع سيرها حتى سنوات الرشد هو تلقين لطرائق تفكير وتخطيط وتنفيذ، على شكل معارف بسيطة تحدد لاحقًا وعي الفرد في مجتمعه».

سوق الأفكار

يذهب الكتاب إلى أنه «عندما سبك علماء الاجتماع وعلماء النفس الاجتماعي هذا المفهوم على نحو «التنشئة الاجتماعية» إنّما نظروا إلى النتيجة، ذلك أن التنشئة البيئية في الأصل تنشئة على وعي الوجود ككل، فلا تقتصر على المسائل الاجتماعية، بل تشمل جميع مناحي ما سماه العلامة ابن خلدون، العمران البشري، في الاجتماع والثقافة والمعتقد والاقتصاد والفنون.


لكن، بما أن هذا المفهوم شق طريقه على هذا الزي، سنتعامل معه كما هو موجود في سوق الأفكار وسوق المعارف العلمية، مع تنبهنا الدائم للطبيعة المعرفية لمقصده.

الذهنية المتشعبة

اشتغل المؤلف على مقاربة موضوع «العصبية» مقاربة سوسيو-معرفية، تماشيا مع طبيعته، وأشار موضحا: لن نقتصر في سبرنا لمضامينه على تجلياته النفسية البحتة، أو التلقينية البحتة، بل سنتوجه على الدوام إلى المعنى التربوي الأبعد لمهامه العملانية. فالتنشئة المعرفية لا تقتصر على نقل معارف بمعنى مهارات (des savoirs بالفرنسية، أو skills بالإنكليزية)، بل تذهب أبعد بكثير مع تشكيل بنية تفكير ذهنية يطبقها الفرد في جميع مجالات حياته اليومية والعملية، وهذه المعرفة الذهنية المتشعبة والمبنية هي ما يطلق عليه باللغة الفرنسية (La connaissance) أو بالإنكليزية (Knowledge).

الباحثون الشباب

تشاطر المؤلف العمل مع «فادي دقناش» زميل له، هو أحد طلابه اللامعين -حسب وصفه- مرجعا ذلك لسبب بسيط هو مسؤولية كل باحث عربي معاصر بتدريب الباحثين الشباب على إتقان المهارات البحثية في تصميم وتنفيذ وتحليل وصياغة الأعمال الفكرية، المبنية على البحث الميداني، المحلي والعربي على السواء.

في دراسته لظاهرة التنشئة الاجتماعية التي استخدم فيها تحليلا نوعيا وعموديا، يميز المؤلف بين التنشئة الاجتماعية بمفهومها الغربي، المبنية على خلفية معرفية عظمي، هي الحداثة، والتنشئة الاجتماعية، بمفهومها العربي، المبنية على خلفية معرفية عظمى هو التقليد.

فعلى الرغم من تشابه التسميات، نجد أنفسنا في الواقع المعاش، والتطبيق الميداني، أمام ظاهرتين مختلفتين في المنشأ، كما في المرمى النهائي.

لب الظاهرة

ولأن العمران البشري، على حد ما يشير إليه ابن خلدون، يختلف في تجلياته الميدانية بين جماعة وأخرى.

في المجتمعات الغربية المعاصرة يأتي الجاه الاقتصادي في المقام الأول، في حين أن الجاه الاجتماعي يأتي في رأس أشكال الجاه في المجتمعات الإفريقية، فيما يتبوأ الجاه السياسي مركز الصدارة في المجتمعات العربية.

ويرى الكاتب «يتوجب عليك أن تعثر على المفتاح المناسب لفتح قفل الظاهرة التي تدرس، وإلا بقيت خارجها في حال وقع اختيارك على مفتاح استعرته، استسهالا، من تراث علمي وثقافي مغاير، ففي هذه الحالة ستجد نفسك برانيا في مقاربتك ولن تستطيع الإتيان بجديد، بل ستقوم بتطبيقات كمية وخارجية لا تدخلك إلى لب الظاهرة. ومهما كانت جميلة وموثقة، ستبقى هذه المساعي من دون جدوى. وهذا تحديدا ما حصل ويحصل راهنا في علم الاجتماع المطبق في العالم العربي، الذي ضل طريقه مذ قام نقولا الحداد بنقله إلى العربية في مصر منذ عشرينات القرن الماضي".

خصوصيات الثقافات

كان نقولا قد سافر إلى الولايات المتحدة الأمريكية برفقة زوجته روز أنطون، شقيقة فرح أنطون، واطلع على هذا العلم الجديد «علم الاجتماع» الذي وجد فائدة له بالنسبة إلى المجتمعات العربية الخارجة لتوها من الحكم العثماني.

غير أنّ النوايا الطيبة لا تستقيم لوحدها في المجال العلمي، في العلوم الإنسانية تحديدا، حيث بإمكان الأنثروبولوجيا الانقلاب عليك إن لم تحسن استخدامها باللجوء إلى موضعتها، وكذلك هي الحال بالنسبة لعلم الاجتماع إن لم تتنبه لخصوصيات الثقافات التي تنشأ فيها وصيغت بها مفاهيمه وأدواته البحثية.

هنا يقع خطأ نقولا الحداد، الإعلامي المندفع الذي لم يكن ملما بعلم الاجتماع وبقاعدته النظرية الأساسية القائلة بالنسبية الاجتماعية، الأمر الذي دفعه إلى نقل علم الاجتماع الأمريكي نقلا أمينا، من دون محاولة تبييئه عربيا، فظهرت بعدها مشكلة عملانية وعلمية على السواء، تمثلت باتكال أول جيلين من طلاب وأساتذة علم الاجتماع على هذه الكتب، فعم النقل وتمأسس بعدها لفترة طويلة لم تنته إلى يومنا هذا.

النظرية الأساس لعلم الاجتماع

يواصل المؤلف تفجير اتهاماته ذاكرا أن نقولا الحداد يستسهل استعارة المفاهيم الوافدة، لبريقها الأكاديمي، كما لشيوعها في الثقافة الغربية، ويتجاهل القيمة العلمية الكامنة في أعمال التراث العربي، حاجبا عنها كل قيمة ما عدا قيمة «الأمثلة والشواهد الشرقية»، فهو ينقل جل ما يقدمه عن كتب غربية مع بعض الاستعارات السريعة المأخوذة عن الفرنسي Gustave Le Bon " جوستاف لوبان" ويرتدي عمله طابعا تجميعيا تنسيقيا (Compilatory)، يقوم به کتلميذ نجيب، لا كباحث أو أستاذ ضليع في النظرية السوسيولوجية وتقنياتها.

وهذا ما يوصلنا إلى أن الكتاب الأول في علم الاجتماع باللغة العربية لا يصبو لأن يؤسس لا من قريب ولا من بعيد لعلم اجتماع عربي.

ففي المنطق الوصفي الذي يعتمده يتجاهل نقولا الحداد مفهوما أساسيا غالبا ما يترافق مع تحليل الوحدة الاجتماعية الصغرى وصلتها بالوحدات الاجتماعية المركبة، ألا وهو مفهوم التنشئة الاجتماعية (socialization) الذي أطلقه عام 1902 عند تسلمه كرسي الأستذة في جامعة السوربون بباريس، حيث كان قد أشار في تعريفه للتربية، أنها تشكل «التنشئة الاجتماعية المنهجية للأجيال الشابة»، فاتحا الباب أمام مفهوم عملاني جديد ينسجم تمام الانسجام مع مبدأ النسبية الاجتماعية، الركيزة النظرية الأساس لعلم الاجتماع في مجالاته وتجلياته كافة.

كوارث عدم توضيح مفهوم التنشئة الاجتماعية

* ترك الحالة الاجتماعية العربية بلا سياج

*عدم الإشارة إلى خصائصها ومميزاتها «العمرانية»

*تعريض الحقل النظري الاجتماعي العربي للاختراق

*اعتماد النقل قاعدة علمية لإدخال علم الاجتماع في فلك العلوم الإنسانية

*الاعتماد على العلوم الإنسانية المنقولة حرفيًا عن المناهج الغربية

أخطاء نقولا حداد

*نقل الأنموذج الإرشادي

*تجاهل الطابع العقلي للعلوم الوافدة من الغرب

*تحاشي الإقدام على أي تبييئ علمي لأصل المفاهيم والنظريات المستوردة

فردريك معتوق

*عالم اجتماع وباحث وكاتب وأكاديمي لبناني

*ولد في بلدة سرعل (زغرتا) 1949

*بكالوريوس في الفلسفة 1969

*ماجستير في الآداب الفرنسية

*من جامعة ليون في فرنسا 1973

*دكتوراه في العلوم الاجتماعية من جامعة تور (فرنسا) 1976