والسياسة رأس الحربة في كلتا الحالتين، ولما تفترضه السياسة في الوقت ذاته، ذهب أحدهما، ونشأ آخر كردة فعل شكل من أشكال التطرف، والذي أرى أنه مسكوتٌ عنه من قبل العالم، ذي المفاهيم والرؤى غير العادلة والمتزنة؛ والخاضعة لمعايير بعيدة كل البعد عن المنطقية والواقعية والعدالة.
أتفهم أن اختياري الحديث عن «الإرهاب الشيعي المقدس» بمثابة سير بين حقول من الألغام، وهو الذي تراه بعض الدوائر الغربية والعالمية في بعض المواضع، يملك الحق من ناحية مبررات النشأة والولادة والمنهج، لربطه بما يمكن تسميته «الإرهاب السُني»، الذي قضت عليه القوى السنية في العالم الإسلامي، ولم يبق منه إلا بضع جماعات بلا قيمة، يُراد لها من العواصم الغربية الاستمرارية والبقاء، كجماعة الإخوان المسلمين «الإرهابية».
والسؤال، هل يمكن أن تحذو القوى الشيعية في المنطقة حذو نظيرتها السنية وتواجه الإرهاب الشيعي؟.
جوابي الشخصي: لا. لماذا؟، لأنه يخدمها ويعتبر لها وليس عليها، وقد يُستخدم – أي التطرف الشيعي – لتحقيق أهداف سياسية لبعض الجهات أو الدول، ما الدليل؟.
التجربة العراقية واضحة وجليه من حيث كيفية خدمة الميليشيات الشيعية لبعض الأطراف السياسية؛ كنوري المالكي رئيس الوزراء العراقي السابق، والذي عمل وكرس ارتماء العراق بحضارته وإرثه وبشره وحجره لصالح ولاية الفقيه، وجاهر بذلك ولم يخجل يوما من أيام سيطرته على مفاصل الدولة.
أتصور أن النظر من الأعلى للمنطقة، يكشف واقعا مريرا، يتجسد في محاربة طرف، وتجاهل آخر، تثبت الوقائع أنه لا يقل عن الأول في المنهجية الإرهابية.
وفي الحقيقة لم أجد بعد تفسيرا لهذه الحالة، وأعني بالقول الصريح، محاربة كل ما يمكن أن يكون ضمن صور الإرهاب السني، وكان آخره القضاء على نائب زعيم تنظيم الدولة الإسلامية «داعش» بإحدى المدن السورية على يد قواتٍ أمريكية، بينما لا يتم النظر لجماعات ذات إرهاب موصوف بـ«الشيعي»، وهي التي لا تقل في الخطورة والتطرف الديني عن ذلك التنظيم، في العراق، وسورية، ولبنان، واليمن.
والحديث عن حالة التناقضات هذه بحاجة إلى وقت ومساحة أكبر، مع إيماني بعدم الوصول لأي مبرر يعطي حق التمييز بين الأطراف الإرهابية التي أتحدث عنها، وهذا يشير إلى أن وراء الأكمة ما وراءها بالنسبة للنظر للطرف الذي حمل السلاح لمواجهة أحد منها دون الآخر.
لكن نقاش مثل هذا الأمر برغم أنه غير مُجدٍ فإنه بنهاية الأمر قد يكون صحيّا، ولو كان ذلك من باب الفضفضة، أو وضع علامات الاستفهام في موقعها الصحيح، مع مراعاة إمكانية جميع الأطراف التخريبية المتضادة «أيديولوجيا ومذهبيا»، وقدرتها على صناعة جيل من الخلايا النائمة، لا يعلم توقيت استفاقتها إلا الله.
وعلى هذا الأساس، فتعليق الجرس حول هذا الملف لا بد منه، لا سيما أن المنطقة هي المتضرر الأول والأخير جراء هذا التنازع الطائفي، وليس الغرب الذي ينظر للقضية من برجٍ عاجي يعتمد على أمرين حسب تفسيري:
إما أن تلك الميليشيات تعمل على تحقيق مصالح للغرب؛ كمواجهة الميليشيات السنية التي طال إرهابها عواصم تلك الدول، وإما أنها – أي الولايات المتحدة والغرب – يخشون ما يوصف بـ«الإرهاب الشيعي» ويتوجسون منه ريبة في أعلى مستوياته أكثر من نظيره في التطرف.
أعتقد أن رد الفعل الذي خلّفته أحداث 11 سبتمبر التي تعتبر اختراقا تاريخيا لكل أجهزة الدولة في الولايات المتحدة الأمريكية، وإصابتها لما يسمى بـ«الدولة العميقة» بمقتل، استدعى كثيرا من الجنون، وافترض تغييرا وتداخلا في الخرائط وفق المنظور الأمريكي، استنادا على الرغبة في الانتقام بدون انضباط أو تخطيط، وهو ما أنتج تسليم العراق على طبق من ذهب للجمهورية الإيرانية، العدو التاريخي اللدود لبغداد، في محاولة غير مدروسة لخلط الأوراق، قادت شريحة إرهابية بأن تحل بديلاً عن فئة لا تقل عنها في التطرف إن لم تكُن تزيد.
والمشهد يشوبه كثير من التعقيد بناءً على صعوبة فك رموز الرؤية الغربية للإرهاب المؤكد ضلوع ميليشيات التطرف الشيعي في تناميه وتصاعده، على أقل تقدير خلال العشرين سنة الماضية، إلى أن بلغ أوجه من خلال الجرأة في استهدافه دول الخليج، وما اعتبار واشنطن على سبيل المثال، لجماعة الحوثي المارقة والمختطفة للسلطة الشرعية في اليمن على أنها شريحة طبيعية ضمن شرائح الشعب اليمني، إلا خير دليل على عدم فهم طبيعة ووضع الأمور في سياقها الطبيعي والحقيقي، والباب مفتوح للقياس على ذلك في ملفات المنطقة ذات التركيبة السياسية والطائفية الخاصة.
إن البُعد عن النظر بأسلوب استراتيجي يُنحي كل الخصومات جانبا، من شأنه الإسهام في كتابة تاريخ جديد من الإرهاب الذي يمكن أن يطال في يوم من الأيام أقصى بقاع الأرض، وذلك عبر انتهاج مراحل مقبلة من التوغل في الدماء والسلوك الإجرامي تصل لأبعد مدى، بدعمٍ من ولاية الفقيه في طهران، التي تحتضن ميليشيا التطرف المذهبي في المنطقة.
فسياسة دفع الأطراف المشبوهة للاقتتال فيما بينها البين التي نفذتها الولايات المتحدة الأمريكية بعد إسقاط نظام صدام حسين البائد، اعتمدت على تقليل حجم الخسائر الأمريكية الخالصة، وكانت نوعا ما ناجحة واقتضت قضاء طرف على آخر، ومنحت الفرصة لانتصار الأول على الثاني، أو العكس، إلا أنه في حقيقية الأمر بات ذلك أسلوب مواجهة رجعي تجاوزته المرحلة، باعتباره يعطي حق البقاء لعنصر من عناصر الحرب، وهذا اسمه وشكله وصفته برميل بارود يتحين لحظة الانفجار.
إن الصمت والتغاضي عن «الإرهاب الشيعي» المنتشر في المنطقة، من شأنه منح ما يمكن وصفه بـ«العنف المقدس» والعنف المضاد مساحة أكبر، وكلتا الحالتين شرٌ تحت نارٍ موقدة.
فالتفكير يجب أن يكون خارج الصندوق، ومبنيا على فهم ذهنية أولئك المجرمين.
فالعنف المقدس يقوم على يقين صاحبه بأنه يقوم بفعلٍ غير مُحرم، وهذا ما كان له الدور الكبير في تنامي أعداد الإرهابيين دون النظر للإنسانية ولا الفطرة البشرية.
فبتلك القدسية المصطنعة يحسبون أنفسهم أذكياء.. وهم ليسوا كذلك.. برغم أن أغلبنا أغبياء.. وأحسبني لست من هذا ولا ذاك. والسلام.