القوى السحرية للكلمات
تناول الكتاب الصادر عن دار الرافدين، في الفصل الأول: نشأة السحر، مستعرضًا البدايات، والدور الثقافي والعملي للسحر، وانفصال السحر عن الدين. فيما تعرض الفصل الثاني لقضايا «الإسلام والسحر، والإسلام محرمًا السحر»، وهكذا تمضي بقية فصول الكتاب الواصلة للفصل الثامن الذي يختم الكتاب بتناوله العلوم السحرية العربية في القرن التاسع عبر عناوين لافتة منها «ط عن أشعة النجوم» أو «نظرية فن السحر ن»، أو إشعاع القوى السحرية من النجوم، الحد الفاصل بين العلم والسحر، القوى السحرية للكلمات، تعرفات الرؤى والأحلام، كتاب الأمطار، تأثير الرقى المباشر على العقل.. إلخ»، مستعرضًا نماذج شخصيات في التاريخ الإسلامي كانت لهم بصماتهم في هذا السياق من أمثال «الكندي، وأبي معشر، وثابت بن قرة، والرازي.
الكهانة العربية
لاحظ عالم الاجتماع ماكس فيبر «أن نشر الإسلام في إفريقيا كان يستند في المقام الأول على أساس ضخم من السحر، ظل من خلاله يتفوق على الأديان الأخرى المنافسة على الرغم من أن المسلمين الأوائل كانوا يرفضون السحر، وما يزال علم الرمل في الهند وإفريقيا محتفظًا باسمه العربي Raml، فيما يعتقد البعض أن كلمة تميمة Amulet أصلها «حمولة» مشتقة من الجذر العربي حمل؛ لأن التمائم كانت عبارة عن خرز ومعلقات يحملها الشخص، وقد رفدت العربية اللغة الإنجليزية بعدد من المصطلحات السحرية مثل Hamsa خمسة، Nazar نظر، وغيرها».
ويذهب المؤلف إلى أن «نصيب المعتقدات العربية من هذه البحوث لا يكاد يذكر، ولا نجد الكثير مهتمًا بهذا الحقل من الباحثين العرب، باستثناء الدراسة الفرنسية عن الكهانة العربية قبل الإسلام للدكتور توفيق فهد، في ستينات القرن الماضي، ومؤخرًا دراسة الشعر والسحر للدكتور مبروك المناعي، رغم أن الحضارة العربية شكلت مرحلة انتقالية مهمة في تاريخ العلم، بالانتقال من التفكير السحري الأسطوري إلى التفكير العلمي التجريبي».
ماذا نقصد بالسحر
تحت هذا العنوان تناول الكتاب مفهوم السحر من ناحية أنثروبولوجية لوصف تلك المعتقدات والممارسات التي يمارسها الإنسان منذ فجر التاريخ؛ قاصدًا التأثير على الآخرين أو على الطبيعة، لتحقيق أهداف معينة، أو لاكتساب معرفة غائبة، بغض النظر عن فاعلية هذا التأثير وإمكانية كسب هذه المعرفة. ويقول محددًا «في الحقيقة ليس السحر سوى أحد تطبيقات عديدة تُصنف معًا مثل الشعوذة والكهانة والعرافة والرؤى وغيرها من التسميات التي هي لمجرد التنويع اللغوي أقرب من كونها فروقات موضوعية واضحة» ليصل ما نتيجته «الدافع المشترك بينها هو ما يعرف بالتفكير السحري (Magical thinking)، وبهذا يكون معنى السحر فضفاضًا وشاملًا لكل ممارسة استخدم الإنسان فيها قدراته العقلية على نحو يسمح له باستنتاج علاقات ثابتة، يقوم باستدعاء لوازمها كلما أراد بواسطة طقوس.
سر تحويل المعادن
بحثًا وتنقيبًا عن خلفيات وبدايات السحر في تاريخ البشرية يذكر الكتاب «أن السحر بدأ في بلد فارس بظهور زرادشت» في حين أن المؤرخ صاعد الأندلسي يذكر أنه «كان بمصر بعد الطوفان يقصد طوفان نوح في إشارة لقدم الفترة الزمنية ووجود علماء بضروب الفلسفة من العلوم الرياضية والطبيعية والإلهية وخاصة بعلم الطلسمات والكيمياء وغير ذلك». فالكيمياء أول ما ظهرت في مصر في القرن الخمسين قبل الميلاد، وإليها تعود تسمية الكيمياء «كيم» أو «كمت» ومعناها الأرض السوداء وهي تربة وادي النيل ومن هنا جاءت تسمية السحر الأسود، وكانت الكيمياء تعرف آنذاك بـ التحتوية نسبة إلى «تحوت» وهو إله الحكمة عند المصريين القدماء، ويقولون في أساطيرهم إن العلوم قد اخترعها تحوت إله الحكمة المصري منذ 18.000 سنة قبل الميلاد، خلال حكمه على ظهر الأرض البالغ 3.000 عام، وأنه ترك أقدم الكتب في كل العلوم في مجلدات بلغ عددها 20.000 مجلد وضعها هذا الإله وأنه علَّم الكهنة سر تحويل المعادن البخسة إلى ذهب وفضة، وتحضير إكسير الحياة.
العلوم الفلسفية والسحرية
يورد الكتاب أن جماعة إخوان الصفا السرية حاولت التوفيق بين العلوم الفلسفية والسحرية وبين الدين، لكن تخفيهم هذا، كاف لكي نعلم شذوذ هذا المسلك عن التوجه الإسلامي ضد الفلسفة والعلم. وفي تعقيب التوحيدي على إخوان الصفا، نراه يعرف الفلسفة أنها هي علم الفلك وأمور أخرى: علم النجوم والأفلاك والمجسطي والمقادير وآثار الطبيعة...». ويعتبر التوحيدي ربط هذه المباحث الفلسفية من فلك وطب وهندسة مع الشريعة نوعًا من «الدس» عليها مما ليس لها علاقة به. فيقول التوحيدي إن الشريعة الإسلامية «ليس فيها حديث الفلكي ولا حركات الكواكب والأفلاك ومقادير الأجرام ولا تربيعها وتثليثها، وتسديسها ومقارنتها. ولا حديث صاحب الطبيعة الناظر في آثارها، ولا حديث الأبدان وما يتعلق بالحرارة والبرودة والرطوبة واليبوسة، ولا فيها حديث المهندس الباحث عن مقادير الأشياء ونقطها وسطوحها وأجسامها وأضلاعها وزواياها ومقاطعها، وما الكرة؟ وما الدائرة؟ وما المستقيم؟ وما المنحنى؟...».
علم اليوم هو سحر الأمس
تجاوزت البشرية اليوم كثيرًا من النظريات التي كانت علمية في حينها مع حفظ قيمتها التاريخية، لأنها لم تكن عمومًا أقل علمية من نظريات عصرنا الحالي. يقول المؤرخ ويل ديورنت في موسوعته الضخمة عن «قصة الحضارة»: «ولئن بدأ السحر بالخرافة فإنه ينتهي بالعلوم»، ويستشهد ديورنت برأي جيمس فريزر: «أمجاد العلم تمتد بجذورها إلى سخافات السحر؛ لأنه كلما أخفق الساحر في سحره استفاد من إخفاقه هذا استكشافًا لقانون من قوانين الطبيعة، يستعين بفعله على مساعدة القوى الطبيعية في إحداث ما يريد أن يحدثه من ظواهر. ثم أخذت الوسائل الطبيعية تسود وترجح كفتها شيئًا فشيئًا، ولو أن الساحر كان دائمًا يخفي هذه الوسائل الطبيعية ليحتفظ بمكانته عند الناس، ما استطاع إلى إخفائها من سبيل، بأن يعزو الظاهرة التي أحدثها للسحر الذي استمده من القوى الخارقة للطبيعة وهذا شبيه جدًا بأهل هذا العصر حين يعزون الشفاء الطبيعي لوصفات وعقاقير سحرية.
الاستكشاف المشترك
يشرح «أوين ديفيز» أستاذ التاريخ الاجتماعي بجامعة هيرتفوردشا بداية التجريب السحري في الحضارة العربية بقوله: «كان الازدهار الذي شهدته الحركة العلمية الصوفية على يد اليهود والمسلمين في إسبانيا وجنوب شرق أوروبا أحد أسباب الاهتمام الثقافي بالسحر في أوروبا المسيحية في العصور الوسطى؛ فإن الثقافتين الإسلامية واليهودية قد حافظتا على المؤلفات الفلسفية والطبية القديمة التي أضاعتها أوروبا، وطورتا نظرياتهما الإبداعية الخاصة بشأن نظام الكون. وفي تلك المرحلة، تشارك المسيحيون واليهود والمسلمون مزيج حكمتهم في واحد من فصول الاستكشاف المشترك البالغ الندرة على مر التاريخ. في نظرهم، لم يكن السحر الشعبي الشائع يعدو كونه خرافيًا، ولكن أرشيف مؤلفات السحر ربما يحوي معرفة تكشف عن القوى الغيبية أو الخفية التي شكلت الوجود.
محمد علي عطبوش
باحث عُرف بمنهجه الذي يربط بين التاريخ القديم والإسلامي والموروث الشعبي المعاصر
ولد في أبين عام 1996
يقيم اليوم في جورجيا حيث يواصل نشاطه البحثي من هناك
ابن القاضي الدكتور علي عطبوش عوض