السلام الذي يأخذ طابع الحياد التقليدي يتحقق بعدة شروط من أهمها الامتناع عن مساعدة الدول المتحاربة، وألا تسمح الدولة المحايدة لأحد المتحاربين باستخدام أراضيها للقيام بأعمال ضد الدولة التي يحاربها.

أي أن السلام يحتاج إلى أنياب للدفاع عن حياده، ولذلك تحتفظ سويسرا بجيش قوي، ولقد أنقذها من التورط في الحربين العالميتين في أوربا جبالها، فهي في أحضان جبال الألب التي تجعل من احتلالها مشقة كبيرة، تكاليفها في الدماء والمال لا تساوي الفائدة التي تتحقق من احتلالها.

وخلاصة القول إن حيادها لا يضمن لها راحة البال والاطمئنان الدائم. ولا بد من مواجهة الأخطار بين وقت وآخر والاحتفاظ بجيش قوي حديث السلاح.


والدول المتحاربة لا تنظر إلى الدول التي لا تشترك في الحرب على أنها في حالة سلام، لأنها من وجهة نظر المتحاربين دول محايدة، عليها أن تمنع الأفراد المقيمين فيها من القيام بأعمال تساعد دولة محاربة ضد أخرى.

وعليها أن تمنع إمداد الدول المتحاربة بموارد وخامات تساعد على دعم القوة العسكرية. وتتعرض الدول المحايدة لاتهامات بارتكابها جرائم ضد الحياد، كأن تخترق حصارا بحريا مفروضا من دولة على أعدائها، أو تقدم خدمات أو تهرب بضائع لأحد المتحاربين. وهنا قد يهاجم المحارب الدولة المحايدة ليعاقبها على ما ارتكبت من جرائم ضد الحياد.

وإلى جانب الحياد التقليدي السلبي، ظهر في النصف الثاني من القرن العشرين، عندما نشبت الحرب الباردة بين الاتحاد السوفييتي والدول التي تسير في فلكه، وبين الغرب الرأسمالي والولايات المتحدة الأمريكية التي تتزعمه، مبدأ الحياد الإيجابي، باعتباره الوسيلة المثلى لتحقيق سلام للدول التي لا تشترك في المعسكر الشرقي الشيوعي الشمولي أو الغربي الرأسمالي الديمقراطي.

وبزغت فكرة الحياد الإيجابي في مؤتمر باندونج عام 1955 الذي جمع دولا ترفض التبعية لأي معسكر وقرروا الامتناع عن الاشتراك في أية نظيمات أو أحلاف عسكرية ورفض تقديم أية مساعدة لأحد المتحاربين أو تقديم المواد والخامات اللازمة له لتسيير عجلة الحرب. كما قرروا في نفس الوقت العمل الإيجابي، وعدم الوقوف موقف المتفرج السلبي بأن يعلنوا رأيهم بالوقوف مع الحق ضد الباطل والدعوة إلى تسوية النزاعات التي تهدد السلام والأمن العالميين.

والتعامل والتعاون في نفس الوقت مع الجميع على مبدأ الاستقلال السياسي والاقتصادي لكل طرف. وزاد الاهتمام بالحياد مع زيادة أخطار الحروب والرعب النووي وأسلحة الدمار الشامل، فزاد عدد الدول التي تطلب الحياد وتريد التعاون فيما بينها للصمود أمام ضغوط القوتين العظميين النوويتين الاتحاد السوفييتي من ناحية، والولايات المتحدة من ناحية أخرى.. فتكونت كتلة عدم الانحياز لتصمد أمام فجوة تزداد اتساعا بين دول قوية وأخرى صغيرة لا تملك الأسلحة التي تواجه السلاح النووي وتريد بتكتلها أن يكون لها تأثير على سلوك الكبار أصحاب القوى العظمى.

وهكذا اتسعت الدعوة إلى عدم الانحياز في الستينات كامتداد وتطوير لمبدأ الحياد الإيجابي الذي شارك في وضعه عبدالناصر و نهرو و تيتو و سوكارنو زعماء وقيادات العالم الثالث في الخمسينات.

لكن إطار عدم الانحياز واجه انقلابا في النظام العالمي بسقوط الاتحاد السوفييتي، والتحول الشامل في دول شرق أوربا نحو الديمقراطية واقتصادات السوق، واتخذ السلام الحرباء لونا آخر غير واضح المعالم تحت اسم «السلام الأمريكي» على غرار «السلام الروماني» الذي عرفته الإمبراطورية الرومانية عندما سيطرت على العالم حتى سقطت تحت وطأة الغزو الألماني عام 876 الميلادي، وذلك باعتبار أن الولايات المتحدة هي القوة العظمى الوحيدة القادرة على التدخل للمحافظة على السلام في يوغسلافيا السابقة، وعجزت الأمم المتحدة عن المحافظة على السلام على غرار ما سبق أن فعلت عندما تدخلت بقواتها المتحالفة لتحرير الكويت من العدوان العراقي على أراضيها.

وكان تدخل الولايات المتحدة لعقد اتفاق للسلام في دايتون وإرسالها قوات أمريكية مع قوات حلف الأطلنطي تحت قيادة أمريكية، هو الحل الأخير للوصول إلى «السلام في البوسنة» برغم المصاعب والشكوك التي تحيط باستمراره، وهذا يعني أن السلام اليوم يأخذ طابعا أمريكيا. ونجد هذا الطابع في «الوساطة» الأمريكية في اتفاقيات السلام مع إسرائيل، والقوات الأمريكية على الحدود المصرية - الإسرائيلية والقوات الأمريكية المقترحة لتأمين الحدود بين سورية وإسرائيل بعد انسحابها من الجولان، وهذا يعني أن الحديث عن السلام، هو حديث عن إجراءات للأمن وإجراءات لكسب درجة ما من الثقة بين الدول.

وليس السلام غاية، بل هو وسيلة للوصول إلى درجة من الأمان والاستقرار للمضي في التنمية في كل مجالاتها. أما الحلم بالسلام الذي ينشده الشعراء وتردده الأغاني في أفراح وأعياد السلام، فهذا يدخل في باب الأحلام والأماني، إن تصدق فهي خير المنى، وإلا فقد عشنا بها زمنا رغدا، وهي لا تصدق إلا في الخيال والأحلام.

لأن السلام غير المنقوص الباقي الدائم، هو اسم من أسماء الله. وشتان بين اسم من أسماء الله عز وجل وسلام البشر الذي هو سلام يتقلب ويتلون كالحرباء!

1991*

* كاتب وراوئي مصري «1924 - 1999»