صدقاً لم أفهم عنواني الذي كتبت، لكن وجدته مناسباً لأن يكون مدخلاً لما سأقوله حول ما فهمته من الصراع الدائر بين روسيا وأوكرانيا.

ليست مشكلتي من يقف مع من، ومن يدعم من؟ ولا تعنيني الطائرات المحملة بالأسلحة والذخائر التي تُحلق لأكثر من عشر ساعات للقدوم إلى كييف – إن وجد بها مطار على نحو سليم – لاستقبال معونات السيد جو بايدن رئيس الولايات المتحدة الأمريكية. إنما يهمني فهم الحالة الخاصة بغصن الشجرة الأوكراني الذي لا تزال واشنطن وحليفاتها في القارة الأوروبية العجوز تتمسك به، بعد أن رماه سيد الكرملين في موسكو ولم يعُد يعره أهمية، واتخذ قرار مواجهة العالم بمجمله من ناحيتين.

الأولى: تغيير التموضع الروسي، من دفاعي إلى هجومي، بعد أن أوصد الأبواب عن العالم أجمع؛ عدا رفاق «براميل النفط وصناعة الطاقة». وذلك يجعلنا نرقص طرباً أنا وأنت يا صديقي. والأخرى : من خلال رفضه عملية المفاوضات التي يُجريها الغرب بثمنٍ بخس مع طهران، لإثبات القدرة الروسية على جعل العالم يحبس أنفاسه، وفي نهاية المطاف لا مناص من الانصياع للقوة السياسية الروسية. وهذا مُفيدٌ لي ولك يا صديقي، وقد تحقق من الناحية العملية؛ وأصبح الجلوس مع جمهورية الشر في المنطقة «الجمهورية الإيرانية» شيئاً من الماضي بعد تعليق المفاوضات.


تحدثت في مقالي الأسبوع الماضي عن تحفظات روسيا الاتحادية على السياسات الإيرانية، التي أشعرتها بالخذلان، نظير بيع طهران لها كحليفٍ صمد معها في مواجهة العالم بأسره، وناصرها بشكلٍ أو بآخر، إلا أنها ومع الوقت أثبتت أنها غير جديرة بالوفاء، باعتبارها تفتقد منهجية الدولة وتتخذ أسلوب الميليشيا طريقةً للتعامل مع الصديق والغريم.

وهذا بالمناسبة ما قاد موسكو للتدخل في المحادثات القاضية بإحياء الاتفاق النووي والوصول إلى تعليق عملية التفاوض، وهو الأمر الذي قال عنه مسؤول السياسة الخارجية في الاتحاد الأوروبي أن ذلك حدث بـ«عوامل خارجية».

والحقيقة هي عوامل قادمة من بين ركام الثلج في موسكو، تختصر قدرة السياسة الروسية على إحداث فروقات في اللحظات الأخيرة؛ في ملفٍ يشوبه الكثير من التعقيد، كملف المفاوضات النووي مع إيران.

والحقيقة الأكثر صراحةً تشير إلى احتراق ورقة إيران بالنسبة لموسكو؛ ليس لأسباب تعتمد على احتمال تعويض الفراغ الروسي في السوق النفطية من قبل إيران، فهذا أتصور أن الرياض كفيلة به باعتبار أن البلدين حليفان يعتمدان سياسة الشفافية والمصداقية في التعاملات النفطية والسياسية على حدٍ سواء مع بعضهما البعض، إنما لأسباب تتعلق بشكل أساسي بعدم جدوى أن تكون طهران في موقع الحليف الإستراتيجي.

وأعتقد أن السياسة الروسية وقعت في فخ الشكل الديني الذي تمثله طهران ويشي بالالتزام بالمصداقية ووعوده برد «دين المواقف» لها، إلا أنها كانت مخطئة – أقصد روسيا - في هذا التصور، ووجدت نفسها أمام عملية مفاوضات تستبعد رفقاء الأمس، على حساب الاقتراب من أعداء اليوم.

وهذه الصورة من الأحداث تشبه كعكة كبرى، يحصل طرف على ألذها، بينما يتذوق آخر ما تبقى منها. وأعني هنا أن موسكو بقدرتها على إيقاف ملف المفاوضات الغربية مع إيران، حصلت على عدد من المكاسب، أهمها أنها وهي في حالة الحرب التي تخوضها عسكرياً وإعلامياً مع دولٍ عديدة، لا تزال أمام رأيها العام ثابتة من الناحية السياسية والدبلوماسية، بعيداً عن الدعاية الأمريكية الغربية، التي أخرجتها بمنظر المهزوم، وتمكنت من فرض صوتها الدولي، واستطاعت قول رأيها الخاص في ملفٍ، هرول له خصومها لتحقيق مكاسب ناتجة عنه، بصرف النظر عن أن استرضاءً لجمهورية الولي الفقيه؛ سيمنحها المساحة الأكبر لممارسة عربدتها وإرهابها في المنطقة.

ومن جانب أكثر أهمية؛ أتصور أن روسيا الحديثة التي يقودها بوتين ابن جهاز المخابرات، أخلفت وغيرت سلوكها السياسي والاستخباراتي، بدلاً من الاعتماد على الشيوعية التي انتهجها الاتحاد السوفييتي المفكك، وانتقل الأمر من هذا الأسلوب القديم والتقليدي، إلى النمط العسكري الذي يعتمد على القوة وفرض النفوذ، لإعادة الثقل لهذه الدولة الكبرى إلى أبعد من موضعها السابق في الترتيب العالمي، الذي قفزت عليه الولايات المتحدة الأمريكية، وحلفاؤها في أوروبا، واستفادوا من فراغ سقوط الاتحاد، وقد استوعب الغرب هذا الدرس في رأيي، ما دفع للإسهام بخلق حالة من التمرد تقوم بها أوكرانيا الرافضة للإرث الروسي؛ على الرغم من التداخل الثقافي والتاريخي لهذه المساحة مع روسيا الاتحادية.

إن محاولة كييف تجسيد فكرة بناء جدارٍ فاصل بين بقايا النازية والإرث السوفيتي، والتي يحاربها فلاديمير بوتين، حفاظاً على أمن بلاده القومي، ليست مجرد عملية عسكرية تدعم رؤية الغرب التي تعتمد على «شيطنة الدب الروسي»؛ إنما هي مواجهة للتأكيد على العقيدة السوفييتية التي ورثها أحفاد الجنرالات، لتجاوز جروح الماضي؛ وإبعادها عن سكب مزيد من الملح من قبل المعسكر المناهض للسياسات الروسية.

وسأختم بعيداً عن الصراع الروسي – الأوكراني، وأقول إن الجنون الهستيري الذي أصاب طهران وشن الحرس الثوري هجوماً بالصواريخ على أربيل عاصمة إقليم كردستان العراق، هو بمثارة رد فعلٍ أنتجه إيقاف التفاوض معها، بعد أن تدخل الروس قبل صافرة وقت النهاية، وذلك إيماناً منهم بأن هذا الأمر سيقود لتحقيق مكسب سياسي لصالحهم، ولصالح رفاقهم وحلفائهم المتضررين من التخريب الإيراني في المنطقة.

وهذا المشهد الدراماتيكي الكلي يُتيح لنا رؤية الصراع العالمي على شكل «الكل ضد واحد.. وواحد ضد الكل». أو بمعنى، الكل ضد بوتين.. وبوتين ضد الكل.