في حجرة من الأسمنت المسلح واطئة السقف -فالعمارة مودرن- وأنا مستلق على الفراش في حضن هذا الليل الرحيم الوديع الممتلئ بالأسرار، ارتفع إلى أذني من خلال العتمة والنسيم والهدوء صوت عفي رخيم معًا، ينشد بنغم حلو: «لا تين ولا عنب زيك يا رطب» (بضم الراء وفتح الطاء) أؤكد لك أنني كدت أقفز من فراشي. يارب! هذا شيء مستحيل، لا معقول، غير ممكن.
إن هذا الصوت بعينه بنطقه وجرسه ونبرته ولحنه ونغمته، بتتابع تموجاته بين علو وانخفاض، بين مط وإدغام، سمعته بالليل وأنا صبي صغير، في حجرة عالية السقف في بيت من حجر وعروق خشب.
خمسون سنة وأكثر تمضى فيتغير على مرها وجه المدينة وملامح المجتمع حتى كأن الأرض غير الأرض والناس غير الناس، وهذا النداء هو هو، باق خالد، كأنما انفلت من قبضة الزمان والأحداث، ليس لحنه ونغمته فحسب، بل أكاد أقول وصوت البائع أيضًا، الحنجرة وحبال الصوت هي هي لم تتغير، كأنما ندبت مصر منذ وعيها رجلًا واحدًا من أبنائها لبيع الرطب وأجازت له وحده تناسخ روحه عمرًا بعد عمر. تجدد الأدلة على ثبات غرائز بلدي يهز قلبي دائمًا. إن أمتعتني الفروع والزهور فهو مشدود إلى الجذور الأصيلة المباركة الضاربة في بطن الثرى. هنا ستر وصمت وصبر ودأب، وما رأيت رضيعًا إلا خلته يشرب من لبن أمه جرعة من عصارة هذه الجذور.
وتأتي نداءات الباعة عندي في القمة. حقا اختفى منها الكثير، ولكن الذي بقي منها أيضًا كثير، وحتى لو كان قليلا فإنه يغنيني.
إن نداءات باعة الملوخية والفاصوليا واللوبيا والباذنجان والبصل والثوم والفجل والكرات والجرجير والترمس والبطاطا والقوطة «جواهر یا قوطة» والنبق والتوت والجميز والمشمش والعنب والتين «حلاوة يا تين» هي مثل نداء بائع البلح الذي سمعته بالليل منقوشة بأزميل فوق حجر نقش الوصايا العشر على النار في الوادي المقدس طوى. أرجوك أن تلحظ معي ثم تقول لي هل أنا مخطئ أم مصيب إذا نبهتك أن هذه هي خضروات مصر وفاكهتها الأصيلة، لكل منها نداء خالد، أما المستحدثة منها كالبطاطس والبسلة، كالجوافة والمانجو والفراولة. فإنها لم تجد لها رغم تجاوزها لسن الرشد بكثير هذا الملحن العبقري المجهول الذي يسلكها مع الخالدين، فنداء البائع لها وسط بقية النداءات الأصيلة المتوارثة أشبه شيء بصفحة مكتوبة بأسلوب منطمس تقریري وسط كتاب يتلألأ بأسلوب فني يصافح الشعر.
كان الأجانب والأغراب -خاصة منذ حملة نابوليون - هم الذين لهم قبلنا- مع الأسف اهتمام بتسجيل نداءات الباعة، لفظا ولحنا، وقد شعرت بالخجل حين استمعت إلى كثير من التسجيلات الفولكلورية «من بينها نداءات الباعة، ودقة طبلة من عازف أعمى» في بيت واحد خواجة كان يقيم بيننا. إنني لم أكتب بعد كلمة واحدة عن تجاربي وقت شغلي لمنصب مدير مصلحة الفنون، ولكنني أخرج هنا هذا الالتزام وأعترف لك بأني بحثت عن هذا العازف الأعمى بحثًا شديدًا متصلًا حتى عثرت عليه، وأدخلته بجلبابه وطاقيته إلى المسرح في إحدى الحفلات الرسمية، ثم زعمت للناس أنني أنا الذي اكتشفته !
هكذا نحن نتأخر أو نقتبس، فإذا اقتبسنا أنكرنا، وطالبنا بالمجد لنا وحدنا.. ما أصدق المثل البلدي: «تاكل وتنكر».. أقول وذكرى الخجل في بيت الخواجة لم تفارقني: لا أظن أن مركز الفنون الشعبية عندنا لديه إلى الآن تسجيل لنداءات الباعة، رغم أنهم يمرون من تحت نافذته. فإذا قال إنهم لا يمرون، اقترحت على وزارة الثقافة نقله إلى مبنى في حي سيدنا الحسين ! فهناك مكانه.
إنني لا أطالب بالتسجيل وحده، بل أعد نداءات الباعة أنها تقدم لنا -بالمجان وبغير عناء منا أو تأليف لجان- أرقى معرض للأصوات.. كم أتمنى أن يلحظها القائمون على الكونسرفاتوار ومعهد الموسيقى الشرقية والإذاعة، أن يصيغوا إليها السمع، كأنهم في محكمة ينتظرون نطق القاضي بالحكم عليهم: براءة أو إدانة. أن يتشمموها كالسلوقي أنفه فوق الجحر، فأنا واثق أن من بينها خامات تستحق الاستنفاذ والعناية بتربيتها. لماذا نترك الاكتشاف للصدفة، أو الإشاعة؟ يجب أن ننزل إلى الميدان أقصاه إلى أدناه (وبعض الكتاب يقول من أقصاه إلى أقصاه أيهما أصح؟ الله أعلم) بحثا وراء المواهب المهدرة.
أؤكد أن بائع البطاطا الذي يمر من تحت بيتي بالليل أيضًا له صوت «باسو» لم أسمع في حياتي واسمح لي بأن أدل عليك بأنني حضرت أوبرات بعدد شعرات رأسي نصف الصلعاء صوت مغن باسو يفوقه في الاهتزاز الأجش العميق الذي ليس بعده مقام ! صدقني إذا قلت لك إنني أنزل أحيانا بالليل لأمشى وراء عربته ذات الفتيلة أم دخان: «لسه سخنة يا بطاطا». هذا وأحيانًا «بنار الفرن يا بطاطا..» لو سمعه شليابين لعده أعجوبة الباسو وللثم يده، وقال له أنت أستاذي بلا منازع! ثم اشترى منه بطاطا بمائة روبل ويشكو التخمة لطوب الأرض.
وقلت في سرى لبائع البلح: خبرني بربك يا فتى! من أي بلد أنت؟ من منوات أو من البساتين؟ من الذي ساقك إلي؟
لقد ألفى نداؤك خمسين سنة وأكثر من عمري وردني بصدمة واحدة إلى طفولتي ثم أعادني، وأنا لا تتحمل نفسي المتهالكة رجة هذه الرحلة الطويلة كالمكوك ذهابًا وإيابًا في غمضة عين. خذني بالراحة وعلى مهل، كما تقول العذراء لعريسها.
يا فتى جعلتني أتحسر لحبستي في هذه الحجرة في قلب المدينة. اشتقت بسببك إلى النخيل، والنخلة رمز بلدي في توحيدها وخيراتها: من اللحاء مقاطف وليف للحبال، من الجذع أسقف، من الجريد أقفاص، ومن الخوص طلوع القرافة، ومن التمر غذاء محترم يقوى على شرائه الفقير.
سعيت أيام مصلحة الفنون أن تنتج فيلمًا تسجيليًا عن النخلة، كما فعل الهنود بشجرة جوز الهند.. ولكني أخفقت إخفاقًا ذريعًا.
1944*
* كاتب وروائي مصري «1905-1992»