لم يكن الفقيد أبًا لأسرتنا فحسب، بل كان مثالًا للأب العطوف الحنون الذي حمل على عاتقه مسؤوليات تتجاوز حدود بيته، وترك أثرًا لا تمحوه السنين في نفوس كل من عرفه أو تعامل معه. عُرف بصدقه، ودماثة خلقه، وطيب معشره، وسيرته العطرة التي ظلّت حاضرة في المجالس والقلوب قبل الألسنة.
نشأ والدنا - رحمه الله - في بيئةٍ بسيطةٍ أصيلة، في محافظة بدر الجنوب، تلك الأرض التي تُخرّج رجالها على الصبر والعمل والاعتماد على النفس، حيث كانت الحياة تقوم على الكدّ الشريف، وتُقاس القيم بالفعل لا بالقول. وفي هذه البيئة تشكّلت ملامح شخصيته منذ وقتٍ مبكر، فكان مثالًا للإنسان الذي يبني حياته بجهده، ويشق طريقه بثقةٍ وإصرار، مستندًا إلى أخلاقٍ راسخة وتربيةٍ صلبة. وبدافعٍ من حب الوطن واستشعار المسؤولية، التحق بالخدمة العسكرية، فكانت تلك المرحلة امتدادًا طبيعيًا لما نشأ عليه، وأسهمت في صقل شخصيته، وتعميق معاني الانضباط وتحمل المسؤولية، وهي السمات التي ظلّت ملازمة له طوال حياته، وشهد بها كل من عرفه وتعامل معه.
لم يكن العمل العسكري بالنسبة له مجرد وظيفة أو مصدر رزق، بل كان التزامًا أخلاقيًا ورسالة وطنية يؤديها المواطن بشرف وفخر. لذلك عُرف بين زملائه بالاتزان، وحسن التعامل، والالتزام الصادق بواجباته، مقدّرًا لمن عمل معهم، حريصًا على أن يترك أثرًا طيبًا في كل موقع خدم فيه.
وحتى بعد تقاعده، ظلّت ملامح الانضباط والالتزام حاضرة في شخصيته. كان يستعيد ذكرياته عن أيام العمل بحب واعتزاز، ويحكي لنا مواقف غرست في نفوسنا تقدير هذا الوطن الكريم والانتماء إليه. ومع دخولنا، نحن أبناءه، مجالات العمل العام، ظل يوصينا جميعًا - أنا وإخوتي - بتقديم المصلحة الوطنية على ما سواها، وبالعمل بإخلاص في كل موقع مسؤولية، مؤمنًا بأن خدمة الوطن لا تتوقف عند منصب، ولا تُقاس بمرحلة زمنية.
وبعيدًا عن الجانب العملي، كان الراحل فاعلًا في محيطه الاجتماعي، واصلًا لرحمه، ساعيًا في قضاء حوائج الناس، محبًا للإصلاح ولمّ الشمل، داعيًا إلى الألفة والوحدة، فظل محل تقدير واحترام واسع بين أهله ومعارفه.
وأعترف أننا كنّا نظن، في وقتٍ مضى، أن إحساس اليُتم يقتصر على صغار السن عند فقدان أحد الوالدين. غير أننا، عند وفاة والدنا، رغم تقدّم العمر، شعرنا بأننا عدنا سنوات طويلة إلى الوراء، وبأننا فقدنا السند والملاذ الذي كنّا نلجأ إليه كلما ضاقت بنا السبل. كان مصدر الحكمة والرأي السديد، وموضع الطمأنينة التي لا تعوّض. وأدركنا حينها أن فقدان الأب يُحدث كسرًا في الروح، ويترك فراغًا عميقًا، ووجعًا صامتًا يشعر معه الإنسان بغربة حقيقية، مهما كثرت من حوله الوجوه.
وإن كان هناك ما خفّف شيئًا من مرارة الوجع ولوعة الفراق - بعد الرضا والتسليم بقضاء الله وقدره - فهو ما لمسناه من محبة صادقة من الجميع، ممن بادروا بمواساتنا حضورًا، أو عبر الاتصال والسؤال والدعاء، وهو ما جسّد عظمة هذا الوطن ومتانة نسيجه الاجتماعي، حيث يتسابق أبناؤه لمؤازرة بعضهم في الشدائد والملمات.
وإلى جميع هؤلاء أتقدم بخالص الشكر والعرفان وصادق التقدير، وفي مقدمتهم مقام مولاي خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز، وسمو سيدي ولي عهده صاحب السمو الملكي الأمير محمد بن سلمان - حفظهما الله - وصاحب السمو الملكي الأمير عبدالعزيز بن سعود بن نايف وزير الداخلية، وصاحب السمو الملكي الأمير فيصل بن بندر بن عبدالعزيز أمير منطقة الرياض، ولا أنسى المواقف النبيلة لصاحب السمو الأمير جلوي بن عبدالعزيز بن مساعد أمير منطقة نجران، الذي تابع حالة والدنا الصحية منذ دخوله المستشفى، وشرّفنا بمواساتنا حضورًا، وكان لحضوره الأثر البالغ في نفوس الأسرة. كما أشكر أصحاب السمو الأمراء، وأصحاب المعالي الوزراء، وأصحاب المعالي رئيس ونائب رئيس ومساعدي وأعضاء مجلس الشورى، وأعضاء السلك الدبلوماسي والمشايخ والأعيان، والأهالي من مختلف مناطق المملكة.
إن تفاعلكم الصادق وطيب مواساتكم كان لهما بالغ الأثر في التخفيف من وطأة الحزن، وبلسمًا ساعد الأسرة على احتمال هذا الرحيل الأليم، ومنحنا قوة إضافية للصبر والاحتساب.
وإذ أتقدم، إنابةً عن إخوتي وأسرتي، بالامتنان لكل من شاركنا هذا الواجب الإنساني، فإنني أؤكد أن مشاعر التعاطف التي وصلتنا جسّدت معاني التراحم والتكاتف التي يقوم عليها مجتمعنا الكريم، وكانت دليلًا على عمق الروابط الإنسانية التي لا تضعفها المسافات ولا تحول بينها الظروف.
ونحن نودّع فقيدنا الراحل، لا نجد سوى الدعاء بابًا للعزاء، والتسليم بقضاء الله طريقًا للصبر. سنمضي على الدرب الذي اختطه لنا، وستظل وصاياه وقيمه حاضرة بيننا، فالرحيل يمحو الحضور الجسدي، لكنه لا يمحو الأثر، ولا يغيّب القيم التي غرسها في القلوب.
نسأل الله أن يرحمه ويغفر له، وأن يجعل قبره روضةً من رياض الجنة، وأن يجزيه عنا خير الجزاء، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.