إنّه «مرصد أولوغ بيك» الذي يعود تاريخه إلى القَرن 9هـ/ 15م، وسرعان ما أَصبح درّةَ التّاج، ولؤلؤة عقد المعارف العلميّة في إسهاماتِ عُلماء الحضارة الإسلاميّة بعامّة، وفي تاريخ المراصد الفَلكيّة التي بَدأت بواكيرها في عهد العبّاسيّين بخاصّة. فقد استطاع عُلماء مرصد أولوغ بيك تحديد قياسات 1018 نجمًا، كانت هي الأدقّ في زمنِها، وظلَّت هكذا لقرونٍ تالية.
ولمرصد أولوغ بيك، المعروف أيضًا بـ«مرصد سمرقند»، تاريخٌ ثريّ، تأرجَح بين تألُّقٍ وأفول، وبين تأسيسٍ واكتشاف، حملَ في طيّاته صفحاتٍ من تاريخ المدينة نفسه، ليس في عَهْدِ مؤسِّسه ميرزا أولوغ بيك حاكِم المدينة فقط، بل يَروي لنا أيضًا جوانب مهمّة وثريّة من تاريخ الاستشراق الروسي والمدينة بين قياصرة الإمبراطوريّة الروسيّة ومِن بعدهم رؤساء الاتّحاد السوفيتي، نرويها في السطور التالية.
سمرقند بين دولة تيمور وقياصرة روسيا
لَنبدأ من المكان حيث مدينة سمرقند، التي تُعدّ واحدة من أهمّ مُدن آسيا الوسطى ومُلتقى طُرق التجارة الدوليّة، كمحطّة مهمّة على طريق الحرير الواصِل بين الشرق والغرب، وبين الجنوب وبلدان الشمال والشمال الغربي. وقد تعرَّضتِ المدينةُ لتدميرٍ هائل على يد المغول في زمن جنكيز خان في الرّبع الأوّل من القَرن 7هـ/ 13م، وبالفعل كانت نكبةً حَضَّريّة وعمرانيّة لم تتعافَ منها سمرقند قطّ؛ فقد تحوَّلتِ المدينةُ إلى أطلالٍ من الركام شاهدة على وحشيّة ما مرَّت به. واستمرَّ الوضعُ هكذا طيلةَ عهد الجغتائيّين، حيث نَزح أهالي سمرقند لسكنِ الضواحي، ولا سيّما الجنوبيّة، وتحوَّل قلبُ المدينة إلى منطقةٍ مهجورة تُعرف اليوم بـ«افراسياب». وما إن وصلَ الأميرُ تيمور إلى سُدّة الحُكم، حتّى استطاعَ تأسيسَ إمبراطوريّة جديدة وأرسى دعائمَ دولةٍ ذات قوّة سياسيّة وثقافيّة وفكريّة ومعماريّة أيضًا. وفي عهده تحوَّلت سمرقند إلى عاصمةٍ للدولة، ولكن ليست المدينة القديمة المنكوبة، افراسياب، بل اتَّجه نحو الجنوب قليلًا، وبَدأ في حركة بناءٍ وتعميرٍ هائلة هي التي شكَّلتِ المدينةَ التي نراها اليوم ونَسير في دروبها وحدائقها. وظلَّت افراسياب تَشغل الجزء الشمالي من المدينة وبالقُرب منها يوجد موقع مرصد أولوغ بيك.
أمّا الزمان فهو فصولٌ متنوّعة بين تاريخ تشييد المرصد في عهد أولوغ بيك في 9هـ/ 15م، وبين تاريخ اكتشافه على يدِ مُستشرِقٍ روسيّ في العقد الأوّل من القَرن العشرين، ثمّ تحويله إلى متحف لعلوم الفلَك في سبعينيّات القَرن الفائت. فصول ثريّة نتعمَّق فيها بدءًا من فكر المؤسِّس ودَوره، وجهود المُستكشِف، وصولًا إلى مرصد سمرقند اليوم الذي يُمكننا زيارته.
مرصد أولوغ بيك من التأسيس إلى الاكتشاف
أمّا مؤسِّس المرصد وراعيه الأوّل والأهمّ، فهو عالِم الفلك والرياضيّات الشهير ميرزا محمّد طراغاي بن شاهرخ المعروف بـ أولوغ بيك ﮔورﮔـان، حفيد الأمير تيمور، والمولود في مدينة سُلطانيّة في شمال غرب إيران، والذي كان والده شاهرخ آنذاك حاكمًا على تلك المنطقة التي تَقع على مقربة من مدينة مراغة ومرصدها العلمي الذي كان له أثر بالغ في تشكيل فكر أولوغ وشغفه العلمي. وقد تولّى أولوغ بيك سُدة الحُكم في سمرقند ما يقرب من أربعين عامًا (812 - 853هـ/ 1409 - 1449م). ووضعَ نصب عينَيْه طيلةَ هذه السنوات مهمّةَ تحويلها إلى عاصمة للثقافة والعلم والفكر والفنّ. وبالفعل استطاعَ جذْبَ الكثير من الفنّانين والعُلماء والبنّائين والمُزخرفين وغيرهم من أهل العلم والفنّ؛ إلّا أنّ أولوغ بيغ لم يكُن سياسيًّا مُحنَّكًا بالقدر الذي بلغه كعالِم رياضي وفلكي، وقُتل على يد ابنه في العام 853هـ/ 1449م.
والمرصد نفسه تمَّ بناؤه في عشرينيّات القرن 9هـ/ 15م، وهو مكوَّن من ثلاثة طوابق، وأسطوانيّ الشكل يَبلغ قطره حوالي 46.5 مترًا، وارتفاعه 30.4 مترًا، ومزوَّد بسُدسٍ حَجَريّ يبلغ نصف قطره 40.2 مترًا، محفور في الصخر أسفل سطح الأرض بعُمق 11 مترًا في خندقٍ يبلغ عرضه 2.5 مترًا، وهو يُعَدّ أداة القياس الرئيسة في المرصد، عبارة عن حاجزَيْن من الرخام وُزِّعت عليهما درجات القياس على مسافة 70 سم بين كلّ درجة وأخرى. وسرعان ما استطاعَ مرصد سمرقند أن يتركَ أثرًا وبصمةً في تخصّصه. ولكن، تأتي الرياح بما لا تشتهي السفن، فمآلات المرصد نفسه لم تكُن أحسن حظًّا من مؤسِّسه. فعقب مقتل أولوغ بيك استمرَّ العمل لسنواتٍ قليلة وشيئًا فشيئًا تحوَّل إلى مكانٍ مهجور وطالَه الإهمال وأَصبح أثرًا بَعد عَين في نهاية القرن 9هـ/ 15م. ليس هذا فحسب، بل سقط المرصد وموضعه من الذاكرة الجمعيّة لأهل سمرقند، وبمرور الوقت أصبح من الصعب التعرُّف إلى مكانه. ذلك المرصد الذي أنار المعرفة الفلكيّة لسنوات، انطفأت شعلتُه سريعًا، وسقطَ ذكرُه لأكثر من أربعمائة سنة، لنَصلَ إلى صفحةٍ جديدة مُغايرة من تاريخ المرصد.
فإذا كان مرصد أولوغ بيك مَدينًا بالفضل لأولوغ بيك، فهو مدين بالشكر والعرفان بالجميل للمُستكشِف الذي أزاح عنه طبقات الركام، وهو المُستشرِق الروسي فاسيلي لافرنتيفيتش فياتكين المولود في نهايات القرن 19م. درَّس فاسيلي فياتكين في معهد إعداد المعلّمين في طشقند، وانتقلَ إلى سمرقند التي ولع بها شغفًا، وبتاريخها وجغرافيّتها وعمائرها وفنونها المتنوّعة. وكانت له أيادٍ بيض في هذا المضمار؛ ومنها أعمال الحفائر التي تمَّت في المدينة القديمة «افراسياب» التي تمكَّن فيها من تحديد موقع المسجد الجامع وحدود القلعة، علاوةً على مساعيه في ترميم مئذنة مدرسة أولوغ بيك في ميدان الريجستان، وغيره.
كان إلمام فاسيلي فياتكين باللّغة العربيّة والأوزبكيّة مفتاح النجاح الذي فَتح له مغاليق تاريخ مرصد أولوغ بيك، إذ بينما كان يُطالِع بشغف سطورَ إحدى الوثائق التي حرص دومًا على جمْعها، وجدَ نفسَه على موعدٍ مع كشفٍ أثريّ عظيم هو «طالع رصد». فقد حدَّد متنُ الوثيقة بشكلٍ تقريبي الموقعَ المُحتملَ للمرصد، بالقرب من قناة مياه تُعرف بـ «آب رحمت»، ومن حسن الحظّ أنّ القناة كانت مُحتفظة بالاسم نفسه في زمن فياتكين.
ومن ثمّ، وتحديدًا في العام 1908، بدأ العملُ بمجسّات أرضيّة وخنادق للتنقيب عن بقايا المرصد وأساساته في المنطقة التي حدّدها فياتكين بدقّة. واستطاع الأخير جمْعَ الأموال اللّازمة لهذا العمل، وتحوَّلت تلك اللّحظة المهمّة إلى سبقٍ وكشفٍ أثريّ مهمّ في تاريخ عِلم الفلك في الحضارة الإسلاميّة بشكلٍ عامّ، وسمرقند بشكلٍ خاصّ، وبداية لسلسلة من الحفائر والتنقيبات على مَدار سنوات أعادت بقايا أجزاء كبيرة من المرصد.
الزيج السلطاني الجديد
على الرّغم من التاريخ الشيّق لاكتشاف المرصد وتشييده، إلّا أنّ سَيْر العمل في داخله ومنجزه العلمي كانا أكثر ثراءً وأهميّة؛ فلم يكُن المرصد مجرّد بناءٍ منمّق يضمّ بين جنباته آلات الرصد والقياس فقط، بل كان أكاديميّة علميّة وبحثيّة سبقتْ كبريات وكالات الفضاء المعروفة اليوم، ويحوي أحدث الآلات من كراتٍ سماويّة ومزاول شمسيّة وساعاتٍ مائيّة واسطرلابات. والتحقَ به خيرةُ العلماء والباحثين في عِلم الفلك والهيئة والمواقيت، من بلدانٍ ومُدنٍ شتّى، اجتمعوا تحت سماء سمرقند ومرصدها الفلكيّ. ويأتي في مقدّمتهم غيّاث الدّين جمشيد الكاشي (القاشاني)، ومعين الدّين الكاشي، وعلي قوشجي، وصلاح الدّين بن موسى الرومي الشهير بـ قاضي زاده الرومي. ولعلّ أهمّ ما أنتجه مرصد أولوغ بيك هو «الزيج السلطاني الجديد» أو «الزيج الـﮔورﮔـاني»، والزيج هو كتاب يضمّ جداول فلكيّة بقياسات النجوم. ويَرجع تاريخ زيج مرصد سمرقند إلى العام 841هـ/ 1437م، وتضمّ هذه الجداول أربعة أقسام: قياسات لمُختلف العصور والمناطق، ثمّ المواقيت، ثمّ مَسالك النجوم، ثمّ موقع الأجرام الثابتة وفيه تمَّ تحديد موقع 1018 نجمًا بدقّة بالغة.
مرصد أولوغ بيك اليوم
اليوم، وما إن تَرتقي بعضَ الدَّرَجِ صعودًا لأعلى مُرتفعٍ في المدينة، وقَبل أن تصلَ إلى المرصد نفسه، ستَجد أولوغ بيك جالسًا في انتظارك ليَصطحبكَ في جولةٍ إلى مرصده: تمثالٌ ضخم ومن خلفه لوحة مميَّزة للكواكب والنجوم لكي تتذكّر هذا الرجل وتُلقي عليه التحيّة؛ وتَرتقي المتبقّي من الدرج فتَصِلَ إلى مبنىً دائريّ سطحيّ له مدخلان. الولوج من البوّابة الأولى يُمكِّنكَ من رؤية بقايا السدس الحَجَري الذي يُعَدّ أقدم أجزاء المكان. وإلى اليسار مبنىً صغير شُيِّد في سبعينيّات القَرن الحالي ليُصبحَ مُتحفًا لأهمّ آلات عِلم الفلك، ونماذج ومجسّمات لأهمّ ما أنتجه المرصد وحَوَتْهُ جدرانُه.
*كاتبة من مصر
* ينشر بالتزامن مع دورية أفق الصادرة عن مؤسسة الفكر العربي.