سنَدخل في طيّات كتابه بين أيدينا، نقلب الأوراق، ونطويها قَبل أن تَدْهَمنا آخر خوارزميّات التنافُس «الشركاتيّ».
للتذكير، في العام 2017 أَصدرت «مؤسّسةُ الفكر العربيّ» كتابًا بعنوان «من يَحكم العالَم.. أوضاع العالَم 2017»، تضمَّن مقالاتٍ لمجموعةِ باحثين (بإشراف برتران بادي ودومينيك فيدال، وترجمة نصير مروّة) قارَبتْ موضوعاتُها حينها قضايا مهمّة مثل نهاية الشيوعيّة، والعوْلمة، والثورة الرقميّة، والتقاليد والسِّنن، والدّين، ومؤسّسات الدولة...إلخ. واستنتجَ الباحثون أنّ الدول لم تَعُد وحدها الأطراف الفاعلة، ذلك أنّ العَوْلَمةَ جَعلتِ الشبكاتِ والشركاتِ المتعدّدة الجنسيّات تتحدّى سيادة الدول. هنا نَطرح السؤال: هل انتهى دَور تلك الشركات بمحتواها التقليدي؟ وماذا عن الشركات «الخارقة» في مجال الذكاء الاصطناعي؟
أسئلتنا هنا تَنبع من محتوى الكتاب الصادر حديثًا عن دار نوفل/ هاشيت بعنوان «حرب المعلومات - كيف تُسيطر الدول على عقولنا» للأكاديمي المُدرِّس في معهد العلوم السياسيّة في باريس دافيد كولون، وترجمة أدونيس سالم (365 صفحة). أَطلقَ كولون صرختَهُ بضرورة إعلان حالة طوارئ معلوماتيّة عالَميّة، لأنّ «لحرب المعلوماتيّة بداية وليس لها نهاية». وفي الكتاب الكثير من الوقائع والمعلومات وتواريخ صراعات النفوذ فرضَتها الثورةُ الرقميّة بين الدول، وما منصّة «تيك توك» إلّا الأنموذج لِما يجري بين الولايات المتّحدة الأمريكيّة والصين بشأنها حظرًا، أو سماحًا أو تقاسُمَ أرباح أو إبداءَ مخاوف من سطوتها على عقول الشباب و«قوْلبة» رؤاهم! ناهيك بتحذيرات شبه يوميّة يُطلقها الضالعون في علوم الذكاء الاصطناعي لاحتواء مخاطره على البشريّة، على الرّغم ممّا يوفّره من إيجابيّات. فالمعلومات المضلّلة، وانتهاكات خصوصيّات البشر تأتي في طليعة هذه التحذيرات والمخاوف.
يتضمَّن الكتاب 12 فصلًا ومقدّمة وخاتمة، ويَحتوي كمًّا واسعًا من المعلومات عن صراعات الدول ونفوذِها في الفضاء السيبراني وعَسْكَرة المعلومات و«حروب الإنترنت».
ففي العام 1984 ابتكرَ الكاتبُ «وليام جيبسون» مُصطلحَ «الفضاء السيبراني». فالحرب السيبرانيّة جبّت الحروبَ التقليديّة ودخلتْ في صلب العقيدة القتاليّة لمعظم الجيوش المُعاصرة، بدءًا بالتجسُّس والتخريب والتضليل الإعلامي والتنافُس الاقتصادي والقرصَنة اللّا متخيَّلة، ما أَتاحَ لصغار اللّاعبين وغَير المُتوقَّعين أن يُثيروا التخريب والفوضى في عالَم كبار اللّاعبين من الدول (وهنا إشارة لا بدّ منها إلى دَور الروبوتات في ارتكاب جرائم إسرائيل في غزّة لقتل أكبر عدد من الناس). أمّا نقطة انطلاق حرب المعلومات العالميّة فبدأت، كما يذكر كولون، مع حرب الخليج في العام 1990، إذ أَشرف الجيشُ الأمريكي حينها على عمل الصحافيّين حين حَصَرَ التغطيةَ بمجموعةٍ اختارَها، واستبعَد آخرين ومنهم الصحافيّون الفرنسيّون شريطة أن يكتبوا بالإنكليزيّة وبإشراف الغرفة المعلوماتيّة لإيجاد إعلامٍ بروايةٍ موحَّدة. وهذا ما أفادَ به حينها المؤرِّخُ مارك فيرو قائلًا: «يُمكننا الحديث عن إعلامٍ بلباسٍ موحَّد».
حينها بَدأ عصرُ هيْمنة قناة الـ سي. إن. إن الأمريكيّة التي تأسَّست في العام 1980 وكانت أولى قنوات النقل المتواصِل للأخبار. وكانت بداية «طريق المعلومات السريع» بجعْل الثورة الرقميّة في خدمة النفوذ السياسي، الأمر الذي تحقَّق حينها للولايات المتّحدة الأمريكيّة والتي ارتكَزت على ما عُرف بالعقيدة الأمريكيّة للسيطرة على المعلومات، ولهذه السيطرة مصادر ثلاثة: قيادة قادرة على التحكُّم بالمعلومات في ساحة المعركة، معلومات استخباريّة آنيّة، وحرب معلومات تَهدف إلى تضليل أنظمة اتّصالات العدوّ وتَحمي أنظمتها الخاصّة بها. ويُمكن القول إنّ الولايات المتّحدة الأمريكيّة لا تزال حتّى اليوم تحتلّ موقع الريادة في قطاع المعدّات والتجهيزات الخاصّة بالمعلوماتيّة (أبّل، إنتل، سيسكو، كوالكوم)، كما في قطاع البرمجيّات (قوقل، أبّل، مايكروسوفت، أوراكل، وآي بي إم)، وقطاع منصّات نشْر المحتوى (يوتيوب، أمازون، نتفليكس...إلخ)، وتُسيطر أنظمةُ التشغيل مثل (ويندوز من مايكروسوفت، و«إن أو إس» من أبّل، وأندرويد من قوقل) على السوق العالَميّة. إضافة إلى المتصفّحات التي ابتكرتها الشركات الأمريكيّة الكبرى المذكورة وهي على التوالي إنترنت إكسبلور، وسافاري، وكروم. لذلك فإنّ تقنيّات المعلومات والاتّصالات باتت ومنذ العام 1990 أداةً فعّالة لبسْط النفوذ الأمريكي على العالَم بسبب تفوّقها التكنولوجي. حضور الصين وشركائها
لكنْ، هل لا تزال هذه القوّة والنفوذ حكرًا تكنولوجيًّا وثورةً رقميّة على الولايات المتّحدة الأمريكيّة؟
هنا تَحضر الصين وشركاتُها! حيث باتت «تيك توك» أقوى سلاح معلومات تمَّ ابتكارُه على الإطلاق (آخر صفقة بين الشركة الصينيّة والحكومة الأمريكيّة لحصْر نفوذ الشركة بإمرة أمريكيّة داخل أمريكا)، وتحضر أيضًا خطط الهجومات السيبرانيّة التي تُنفّذها روسيا بين حينٍ وآخر وغيرها من الدول. نُشير هنا إلى ما كشفه إدوارد سنودن وهو موظّف سابق في سي. آي. إي والـ «إن. إس. آ» في يونيو 2013 عن وجود نظام ضخم في أمريكا لجمْع المعلومات يَعتمد على برنامج لمُكافَحة التجسُّس. ما لبثت روسيا أن دشَّنت في العام 1996 نظامَها الخاصّ لتحديد المواقع بواسطة الأقمار الاصطناعيّة الذي غطّى كامل مساحة الكرة الأرضيّة، وفي العام 2003 أَطلقت الصين نظامَها الخاصّ الذي أُتيح الوصول إليه للجمهور. وفي العام 2013 طوَّرت روسيا أنظمةً لتشويش نظام جي. بي. إس واختَبرت روسيا والصين صواريخ مضادّة للأقمار الاصطناعيّة، ما دَفع الولايات المتّحدة إلى تطويرِ أقمارهِا أنظمةَ تصفُّحٍ لا تَحتاج إلى «جي. بي. إس».
وفي خضمّ هذه الثورة الرقميّة وظهور وسائل التواصُل الاجتماعي، أَطلقتِ الولاياتُ المتّحدة الأمريكيّة وبسبب تفوّقها التكنولوجي وعقيدتها الدّاعية إلى الهيْمَنة في حقل المعلومات إلى ابتكار ما سمَّته بالدبلوماسيّة الرقميّة، إذ في العام 2012 كان لمعظم رؤساء الدول والحكومات عَبْرَ العالَم حساباتٌ على تويتر (إكس حاليًّا) بمن فيهم، حينها، الرئيس الإيراني محمود أحمدي نجاد، على الرّغم من منعه المنصّة في بلاده.
يعرض كولون لعددٍ من الدول في مجال الحرب المعلوماتيّة، تبعًا للمستوى المتطوّر من ابتكاراتها أو استخداماتها، فيقول إنّ إسرائيل انتقلتْ إلى الهجوم عَبر استخدامها هذه الوسائل، لا بل تفوَّقت، والدليل على ذلك الاتّفاقات التكنولوجيّة التي تَربطها بعددٍ من الدول وأبرزها الهند.
في حرب المعلومات لا تتوانى الدولُ عن ترسيمِ حدود المعرفةِ المُتاح لشعوبها الاطّلاع عليها، فتَحجب هنا، وتُمرِّر هناك، مع إخفاقاتٍ في صدّ الهواء الرقمي. يُعطي المؤلِّف المثالَ على تدخُّلِ روسيا ضدّ هيلاري كلينتون بانتخابات أمريكا الرئاسيّة في العام 2015 لمصلحة ترمب، وعلى أنموذج ثانٍ في سياق الحرب السيبرانيّة العالميّة، ويتوقّف عند عمليّة الألعاب الأولمبيّة ضدّ البرنامج النووي الإيراني الذي قادته أمريكا، ثمّ ما لبثت إيران في خريف العام 2012 أن قادت هجومًا مضادًّا دمَّر فيروس «فلام» الذي زرعته الـ «إن. إس.آ» في حواسيب وزارة النفط الإيرانيّة والشركة الإيرانيّة الوطنيّة للنفط.
وهكذا أَصبح الفضاءُ السيبراني في بدايات العقد الثاني من هذا القَرن موضوعًا جيوسياسيًّا في غاية الأهميّة وساحةً مفضَّلة للخصومات والمُواجهات التي تدور في شتّى أبعاد الشبكات الرقميّة، إنْ على مستوى البنى التحتيّة (المعدّات والحواسيب والكابلات) أو على مستوى البروتوكولات واللّغات المعلوماتيّة أو على المستوى المعرفي أي المحتوى.
تزييف المحتوى بالذكاء الاصطناعي
في خضمّ هذه الثورة الرقميّة اللّا محدودة التطوُّر، أَخذ الجانب النفسي لدى الشرائح الاجتماعيّة يحضر بقوّة. هذا ما يَتناولُه كولون تحت عنوان «نظريّات المؤامرة والحرب النفسيّة»، ويتحدّث عن دَور ألكسندر كوغان وهو مُحاضِر أمريكي شابّ يَعمل باحثًا في جامعة كامبريدج في المَملكة المتّحدة عندما شَرَحَ أمام جمهورٍ عريض كيف أنّ من المُمكن قول كلّ شيء تقريبًا عن شخص، انطلاقًا من نقرات الإعجاب على فيسبوك بما في ذلك شخصيّته وذكاؤه ورفاهه العامّ، واصفًا كيف استطاع أن يَجمع، وبتكلفةٍ زهيدة، معلوماتٍ حول تفضيلات عددٍ كبير من مُستخدِمي وسيلة التواصُل الاجتماعي، كما حول أصدقائهم وأعمارهم وبياناتهم الديمغرافيّة وتفاصيل شخصيّة أخرى تخصّهم. عملَ كوغان على ما يدعوه عُلماء النَّفس بالثالوث المُظلِم أي: الاعتلال النفسي والنرجسيّة والميكافيليّة المُرتبطة بالإفراط في استخدام الإنترنت.
أمّا التزييف العميق، أي عمليّات تزييف المحتوى بواسطة الذكاء الاصطناعي، فسيكون مستقبل الحرب المعرفيّة بهدف السيطرة على العقول واجتذاب الشباب والاستثمار المالي لِما يخلفه من «الإدمان والتبعيّة والسُميّة والتجديد»، وقد بَدأت مؤشّراتُها في العام 1991 وما زالت مُستمرّة، وهي تتّسم بالتوتُّر بين الأنظمة وبالتغيير في النظام الجيوسياسي بين الدول. ولأنّها تَمتلك ما تَمتلكه من قوّة التطوير والاستثمار بالتكنولوجيا، وتنطوي أيضًا على مُواجَهةٍ مباشرة بين الأفرقاء في الإطار المعلوماتيّ، صارت تُمثِّل تهديدًا عالَميًّا، لذلك باتَت تَستدعي استجابةً عالميّة للتهديدات العابرة للحدود الوطنيّة وتَطرَح بالتالي تحدّياتٍ عَوْلميّة يَجب أن يكون الردُّ عليها عالَميًّا إلى حدٍّ كبير.
يُصرِّح كولون بأنّ على الدول المُبَاشَرَة بإجراء مُناقشات بشأن الترسانات السيبرانيّة والذكاء الاصطناعي والحوْسَبة الكميّة وإنترنت الأشياء والتفكير في إنشاء هيئة دوليّة جديدة للإشراف على تطبيق المُعاهدات المستقبليّة في شأن المعلومات للحؤول دون أن يؤدّي التوطينُ المتزايد للبيانات على خوادم سياديّة في داخل الدول إلى بلْقَنة الإنترنت، أي تقسيم الشبكة العالَميّة إلى سلسلةٍ من الشبكات الوطنيّة. وطالَب بإخضاع الشركات الرقميّة العملاقة للمُساءلة «لأنّ جهةً يقوم أنموذجها الاقتصادي على تحقيق الدخل من قدرتها على احتكار انتباه مُستخدميها، من غير المرجّح أن تُبادِر تلقائيًّا إلى السير كليًّا في طريق الفضيلة».
هنا نفهم معنى إهداء المؤلِّف كتابَهُ إلى ابنتَيْه سيلستين وأوغوستا.
*صحافيّة لبنانيّة
* ينشر بالتزامن مع دورية أفق الصادرة عن مؤسسة الفكر العربي.