بصفتي خبيرًا نفطيًا، عملت رئيسًا لتحرير مجلة «النفط والتنمية» الصادرة في بغداد سنوات طويلة، إلا أنّني في الوقت ذاته كاتب. فهل هناك علاقة ما بين هاتين الوظيفتين؟

ربما من حسن الحظّ أن الكثيرين ممن يكتبون في عالمنا العربي، ليست لهم علاقة مهنية بالدراسات التي بدأوا بها، فليس شرطًا أن يكون الأديب خريج كليّة الآداب، وتحديدًا اللغة العربية؛ لكن يحدث أحيانًا تطابق بالصدفة بين المهنة والهواية. وهذا هو الأمر بالنسبة للموضوع، أي موضوع النفط. فالنفط رغم خشونته، ولونه الأسود وما يحيط به من ملابسات، يمكن أن تشتغل عليه باعتباره مادة.

لكنه غيرّ مشجّع لكي تتعامل معه روائيًّا. لكنّي أعتبر اكتشاف الثروة النفطية أمرًا مهمًا في بلادنا، وكان له دور كبير، لأنه غيّر شكل المنطقة وطبيعة العلاقات؛ كما أنه شكلّ نمطًا، أو أنماطًا معينة، وحكمها بأساليب وصيغ ما كان لها أن تكون لولا وجود هذه الثروة.


ومن الطبيعي أن مادة بهذه الأهمية تكون لها تأثيراتها وانعكاساتها على مستويات عديدة، ولزمن طويل، لا بدّ من التعامل معها روائيًّا. وأنا بحكم معرفتي بالموضوع ومعايشتي له فترة طويلة نسبيًّا في أكثر من مكان، أتيح لي أن أعرف وقائعه وتفاصيله، الأمر الذي ساعدني على التعامل معه روائيًّا. وبالنسبة للغة الكاتب وأدواته التعبيرية، فأنا أتصوّر أن الكثيرين منّا يملكون هذه المواصفات، فيما يتعلّق بالشفافية والشعرية الموجودة في لحظات معيّنة. وكلّ من يريد أن يقدم عملًا ما يحرص على أن يكون عمله جيّدًا، ويحاول أن يقدمه في أحسن صيغة ممكنة. وأرجو أن تكون «مدن الملح» من ناحية الموضوع والمعالجة قد أدّت غرضها على مستوى البناء الفنّي. الرواية الجديدة والتقدمية هي الرواية المخدومة فنيًّا بشكل جيّد، ولا يشفع لها حسن نيتها، ولا تشفع لها حقيقة أنها تعالج موضوعًا معينًا، إنما يجب أن تكون جيّدة من ناحية البناء الفنيّ.

لذلك أتمنى أن تكون هذه القضية قد عولجت فنيًّا بشكل مناسب، لأنها قضية مهمّة بحدّ ذاتها.

وهناك مشاكل أخرى قد تعالج بأسلوب أو بآخر: مثلًا موضوع الذهب في أمريكا الذي اكتشف في القرن الثامن عشر مما عجل في الهجوم على هذه البقعة من الأرض، والمغامرات التي رافقت ذلك، أدّى إلى كتابة بعض الروايات والمعالجات الفنيّة ذات المستوى الجيّد؛ وكذلك الحال مع المناجم في جنوب إفريقيا والمواد الأوليّة في أمريكا اللاتينية. وهذه كلّها كانت عوامل تغيير ولها تأثير في بناء المجتمع، وقد أسهمت في خلق مناخ فنيّ ونفسيّ يصلح للمعالجة الأدبيّة.

حاولت في رواياتي تقديم صورة عن الحياة في تجلياتها الأدقّ وربما الأعمق، ومن هنا فإنّي أعتبر الحياة بمثابة مسيرة طويلة وبشر متنوعين، والبطولة هي بطولة الناس المجهولين، أي الناس المغيّبين بشكل مقصود. عندما عالجت هذا الموضوع، وتحديدًا في «مدن الملح»، كان في ذهني أن أحاول قدر الإمكان كتابة التاريخ غير المكتوب، بمعنى أنّ التاريخ الرسمي قد دوّن وانتهى أمره، وهو تقريبًا التاريخ الرائج والسائد الآن.

إذن حاولت أن أكتب بمعنى ما تاريخًا موازيًا للناس المجهولين وللحياة التي كانت سائدة آنذاك. ولهذا السبب نشأ نوع من الصراع ونوع من المعاناة الكبيرة، بحيث أن الناس (الشخصيات)،

عندما تعاملوا مع الوقائع والأحداث فإنهم تعاملوا معها بالكثير من الصدق والنبل. وحتّى غياب الناس، على أساس أنّ عصرهم قد انتهى، لا يعني غياب المشكلة أو غياب الناس نهائيًا. ولم أردّ في الواقع أن أصدم القارئ، لكني أردت أن أبصرّه أكثر، وأقول له إنّ المشكلة فيها وجع وفيها فجيعة وتتطلب انتباها بالضرورة.

1990*

* كاتب وروائي سعودي «1933 - 2004»