وهل يحق للطرف الثاني (الموعود) الإصرار على إلزام (الواعد) بالوفاء بوعده الخاطئ أو السيء أو اللاأخلاقي أو غير القانوني؟!
قد يقول البعض: يتفق غالب الأسوياء أن الوعد أو التعهد، مهما كان واضحًا، ليس ملزمًا إذا كان سيؤدي إلى القيام بفعل شرير أو غير أخلاقي. وهذا كلام جميل، ولكننا هنا أمام ثلاث مسائل:
الأولى: تدور في فلك نسبية الأخلاق ووجهات النظر، فماذا لو أن الواعد تراجع أو رفض تنفيذ الوعد، بحجة أنه أمر سيء أو شري أو غير أخلاقي في نظره، ولكن الموعود لم يقتنع بذلك؛ لأنه لا يرى في الوفاء بذلك الوعد أي خطأ أو سوء أو ضرر.
والثانية: ماذا إذا أصر (الموعود) على تهديد (الواعد) التائب أو النادم أو المتراجع، بقتله مثلًا، أو بإحداث مشكلة كبيرة جدًا قد يكون ضررها أكبر بكثير من ضرر الوفاء بالوعد الخاطئ؟ هل يفي الواعد بوعده وفق قاعدة (أخف الضررين)، وماذا إذا كان الوفاء سيتسبب في الإضرار بمجتمع، أو بشخص بريء مثلًا؟!
والثالثة: ماذا إذا علم أشخاص آخرون بالموضوع، وكان عدم الوفاء بهذا الوعد -رغم خطئه وسوئه في رأي الواعد- سيهز ثقة الكثير من الناس به، خاصة إذا كانت الثقة مرتبطة بأمور كثيرة أخرى طيبة وإيجابية ونافعة؟!
أعتقد أن قاعدة الأصوليين في الفقه: (درء المفاسد مقدم على جلب المصالح) جيدة، ولكن الظروف والضغوط أحيانًا تكون أكبر أو أقوى، فيكون الحل في نظري وفق التدرج التالي:
1- تقييم الوعد السيء وهل هو أسوأ من (الكذب والخداع)، وهل ستكون له أضرار على آخرين أو مساس بشيء لا يصح المساس به مثلًا، فإن كان بسيطًا أو أقل سوءًا من الكذب والخداع في تقييم الواعد، ولن يكون منه ضرر بين، فيجب عليه -في نظري- الوفاء، حتى لو كان مقتنعًا أنه ليس أمرًا جيدًا أو حسنًا، ما دام الأمر يدخل في دائرة نسبية التقدير واختلاف وجهات النظر.
2- أما إذا كان ثقيل الوزن في السوء أو الضرر أو الشر، فهنا تجب محاولة إقناع الموعود بالحوار والمنطق لعل ضميره يستيقظ فيتخلى عن الإلحاح أو التهديد.
3- إذا أصر الموعود، وظهر من حاله أنه قد يفعل شيئًا ذا ضرر هائل يفوق ضرره ضرر الوفاء بذلك الوعد، فلا مانع من إرضائه بطريقة أخرى، كتعويضه بصورة أخلاقية وسليمة، تجعله يقتنع ويقبل ويترك الوعد الأساسي غير السليم. وبالإمكان الوصول إلى صور تعويضية سليمة كثيرة، ويحتاج الإنسان إلى حكمة وهدوء وتفكير، وسيصل إليها بإذن الله.
4- إذا رفض الموعود كل المحاولات، فهنا قد يكون من المناسب البحث عن مهرب ذكي، كمحاولة إقناعه بأن الوفاء بالوعد سيضره هو قبل غيره؛ فقد يورطه مثلًا في مشاكل قانونية أو يشوه سمعته، أو يقوده إلى السجن. أو التحجج مثلًا بأن الظروف التي بني عليها الوعد تغيرت، أو أن أمورًا ظهرت لم تكن ظاهرة في البداية.
5- إذا لم يجد الواعد أي حل للتخلص من الوعد الذي ثبت له أنه سيء أو قبيح، فلا يجب عليه الوفاء به إذا كان فيه شر أو خطأ أخلاقي أو قانوني ظاهر، أو ضرر كبير، ويجب هنا أن يواجه الموعود بهدوء وينسحب تمامًا، بعد أن يقول له كلامًا يصوغه بعناية، مثلًا: «سامحني فأنا لا أستطيع الوفاء لأن ضميري لا يقبل، وأعتذر منك لتسرعي في الوعد».
6- إذا لم تفلح كل الأساليب والحيل، وأدرك الواعد الراغب في التوبة أو التراجع أن الموعود سيرتكب ردة فعل خطيرة أو مضرة جدًا يفوق ضررها ضرر الوفاء بذلك الوعد الخاطئ، فهنا فقط -في رأيي- قد يعذر إن أوفى بالوعد الخاطئ أو السيء، شريطة أن يبذل بصدق كل ما بوسعه لعدم الوفاء، وأن تفشل كل محاولاته، مع الاجتهاد أن يكون الوفاء جزئيًا قدر الإمكان، وأن يقلل من حجمه، أو يوقفه فور شعوره بزوال خطر الموعود أو دوافعه لارتكاب ما هو أكثر سوءًا أو خطأ أو ضررًا.