أمريكا لن تذهب إلى أي مكان. ستبقى شريكًا نشطًا ومتعاونًا في الشرق الأوسط. لن تبتعد لتترك فراغًا للصين وروسيا أو لإيران. أمريكا شريكة في ردع تدخلات إيران وملتزمة منعها من الحصول على سلاح نووي. أمريكا تدعم الشراكات ودمج منظومات الدفاع الجوي، وتضمن أن تبقى دول المنطقة قادرة على الدفاع عن نفسها. أمريكا تدعم النظام العالمي القائم على القانون الدولي، وترفض تغيير الحدود بالقوة، ولن تسمح للقوى الدولية بشل الاقتصاد العالمي.. كانت هذه المواجز، أما التفاصيل فقد تأتي في الممارسة. وكانت هذه عناوين لبداية جديدة للعلاقة بين الولايات المتحدة والسعودية، وبالتالي مع المنطقة. وبطبيعة الحال فهي ستبقى موضع اختبار، بعدما تيقنت أمريكا من أن الخليج يتغير وينفتح، ولا بد أن تتغير سياساتها لمطابقة الأفعال مع الأقوال، ولتمكين المنطقة من الخطو نحو استقرار دائم.

ساعات معدودة استغرقتها زيارة الرئيس الأمريكي للسعودية، لكن الإعداد لها استهلك شهورًا من النقاش والاتصالات لتجاوز الفتور والتشنجات. ففي إعادة تصويب العلاقة الأمريكية - السعودية، كما بدت في البيان المشترك وكما شهدت قمم جدة، كان الجديد نوعية الاتفاقات الثنائية الموقعة، إذ جاءت منسجمة مع طموحات السعودية في مجالات الطاقة والتنمية والتكنولوجيا، ومع رؤيتها المستقبلية إلى دورها وفاعليتها في الداخل كما في الخارج. هذه الاتفاقات أظهرت للجانب الأمريكي أنه إزاء شريك إقليمي أعاد تعريف أهدافه وتحديدها ولم تعد أمريكا أفقه الوحيد، بل إنه يتحول ويبحث عن مصالحه في أي مكان، ولا بد من التعامل معه على هذا الأساس، بل لا بد من بلورة سياسة أمريكية، بعقلية جديدة، كي تستقيم العلاقة وتُستدام، ليس مع السعودية فحسب، وإنما أيضًا مع ريادتها لمجموعة الدول العربية المعتدلة والوسطية في مقاربتها للعالم وللأفكار.

اعتاد الرؤساء الأمريكيون أن يبدوا مآخذهم على الآخرين وأن يدعوا إلى الامتثال للقيم الأمريكية، لكن لم يسبق لأيٍ منهم أن سمع من يقول له إن هناك قيمًا أخرى يجب احترامها، وإن أمريكا نفسها ترتكب أيضًا أخطاء في مجال حقوق الإنسان، كما لم يسبق أن وُوجه بفضائح التعذيب في سجن أبو غريب العراقي ولا بالتغطية الأمريكية على جريمة اغتيال الصحافية شيرين أبو عاقلة برصاصة قنص إسرائيلية. ولعل تباين القيم تمثل في ما سمعه الرئيس جو بايدن مباشرةً من مختلف القادة العرب عن قضية الشعب الفلسطيني، ومطالبتهم إياه بالعمل لتحقيق «حل الدولتين»، قد يكون لَفَته إلى نقص فادح في ما سمي «إعلان القدس» (الأمريكي - الإسرائيلي) الذي اعتمد نصه على المبدأ التوراتي القديم «تيكُون أولام» الذي يعني «تغيير العالم» أو «إصلاحه»، لكن الطرفين المناديين به -من منطلق صهيوني أيديولوجي- لم يتمكنا من طرح فكرة واحدة لإنهاء الظلم التاريخي الحاصل على أرض فلسطين، بفعل الاحتلال الإسرائيلي، أو حتى لمراعاة «حقوق الإنسان» العزيزة على الرئيس بايدن.


لم تتصدر مسألة «إدماج إسرائيل في المنطقة» محادثات بايدن في السعودية، كما افترض الإسرائيليون وروجوا، فلا الزائر ركز عليها ولا أحد ممن جلسوا معه في القمة تبرع بالترحيب بها أو رفضها بالمطلق. بل جرى التذكير بأن هناك «مبادرة سلام عربية» لا تزال على الطاولة بنصها وروحها، وكانت هذه المبادرة إقرارًا مكررًا بأن الحرب انتهت بين العرب وإسرائيل، لكن الأخيرة لم ترد بمبادرة مماثلة ولا بأي خطوة سلام تجاه الفلسطينيين. ولعل أهم ما سمعه الرئيس الأمريكي، بلسان أكثر من زعيم عربي، أن مشاريع «الشراكة الإقليمية» لن تشق طريقها ما لم تتغير العقلية المعنية بالملف الفلسطيني، إذ إن الممارسات الأمريكية والإسرائيلية لا تنفك تقدم «الهدايا» إلى إيران التي وضعت يدها على هذا الملف وراكمت قدرات كثيرة للتلاعب به.

قد يكون إبراز المسألة الفلسطينية فاجأ الجانب الأمريكي، لكنه بدا منطقيًا لأن بايدن جاء إلى جدة من إسرائيل التي زارها ليبرر زيارته للسعودية، كما يُفهم مما كتبه في «واشنطن بوست»، لكن الجميع يعلم في واشنطن ومختلف العواصم أن السعودية كانت وجهته الحقيقية ليس فقط لأن إدارته أدركت أخطاء سياستها تجاه دولة ارتبطت بصداقة مع أمريكا منذ ثمانية عقود، بل أيضًا لأن حرب أوكرانيا عصفت بخرائط الأمن والطاقة والغذاء وبكل التوازنات في العالم وتستطيع السعودية (وليس إسرائيل) أن تكون عنصر توازن استراتيجي في أكثر من مجال، لكن بشرط احترام أمنها واستقرارها والتعامل معها بما تمثله إقليميًا ودوليًا.

كان واضحًا في البيان المشترك التزام الولايات المتحدة «القوي والدائم» بدعم أمن السعودية، لكن أيضًا «تسهيل حصولها على كل الإمكانات اللازمة للدفاع عن شعبها وأراضيها ضد التهديدات الخارجية». سبق أن أُغدق كلام الالتزامات الدفاعية في مناسبات كثيرة ولم تكتفِ به الرياض، إلا أنه يأتي هذه المرة في ظروف مختلفة وفي سياق يمس المصالح الأمريكية مباشرة. في المقابل لم يعد الشأن الأمني توفير «حماية أمريكية» وإنما عدم حجب «الإمكانات اللازمة» لتتكفل السعودية ودول المنطقة بالدفاع عن نفسها، إذ إنها لا تملك خططًا عدوانية ضد أي دولة أخرى. وبهذا المفهوم صيغ الموقف المشترك من عدوانية إيران و«ضرورة ردع تدخلاتها في الشؤون الداخلية للدول، ودعمها للإرهاب من خلال المجموعات المسلحة التابعة لها، وجهودها لزعزعة أمن المنطقة واستقرارها»، وبالتأكيد منعها من الحصول على سلاح نووي. أما الجانب الأهم في الالتزامات الأمريكية – السعودية فيكمن في تفعيل قوة المهمات البحرية المشتركة سواء لتأمين حرية الحركة التجارية وردع التهريب غير الشرعي إلى اليمن أو لتعزيز الأمن الملاحي المشترك. أي أن أمريكا باتت مستعدة لاعتبار شعار «إيران شرطي الخليج» شيئًا من التاريخ.

يعتبر مراقبون ومحللون أمريكيون أن الرئيس بايدن لم يحصل على ما يريده في ملف الطاقة، لكن تقويمهم متأثر بالسياسات القديمة حين كانت أمريكا تفرض مصالحها على حساب الدول المنتجة. الواقع أن السعودية والإمارات وغيرهما لا تتعامل مع حاجة أسواق النفط بمنحى ابتزازي أو بانحياز إلى روسيا، بل إنها تتصرف بمسؤولية إزاء «أمن الطاقة» العالمي، وهو ما ستؤكده في الأسابيع المقبلة، وطالما أن هناك تعاونًا فإن الجانب الأمريكي لم يجد ضرورة لممارسة ضغوط. ثم إنه لمس أيضًا تلك «المسؤولية» بالنسبة إلى الأمن الغذائي مع اعتزام «مجموعة التنسيق العربية» إضافة عشرة مليارات إلى المليار دولار الذي قدمه بايدن «لتلبية حاجات الأمن الغذائي الملحة على المديين القريب والبعيد في الشرق الأوسط وشمال إفريقيا».