قمة جدة بقوتها ونجاحاتها.. هي النتيجة المتوقعة للنهج السياسي الهادئ العقلاني والمتزن. والذي هو أساس المنهج السياسي السعودي الذي يتطور مواكبًا متغيرات المراحل الزمنية، ولكنه يرتكز على أسس ثابته منذ عهد الملك عبدالعزيز طيب الله ثراه إلى يومنا هذا في عهد سلمان العزم والحزم.
المتأمل للأحداث والمتغيرات المحلية والعالمية خلال السنوات القليلة الماضية، وتحديدًا منذ عهد خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبد العزيز.. وولي عهده الشاب الطموح جدًا سمو الأمير محمد بن سلمان بن عبد العزيز.. يرى بوضوح حجم الصعوبات التى واجهتها المملكة والتحديات التي وضعت كحواجز عالية راهن الكثير على عدم قدرة السعودية على تخطيها.. ولكننا بعون الله وتوفيقه ثم بقوة وعزم قيادتنا استطعنا كسب الرهان وبجدارة.
فترة حكم خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبد العزيز مشابهة لما قبلها بالحكمة والرزانة والتعقل السياسي السعودي كما ذكرت في بداية المقال، في الوقت ذاته تختلف عما سبق من حيث انصهار الفكر بين جيل وجيل.. فالملك سلمان حفظه الله امن بالشباب وفكره ودعم بقوة سمو ولي العهد محمد بن سلمان والذي نقولها صدقًا لا رياء فيه، أذهل العالم بفكر مختلف، لا يشبهه أي فكر، ورؤية طموحة، كانت ضربًا من خيال جميل يصعب أن يصدق أحد أنها ستكون واقعًا نعيشه قبل مضي عقود من زمن طويل، ولكننا فعلًا نعيشها حقيقة جلية رغم كل التحديات والصعوبات والحرب الشرسة التي وجهت نحو المملكة العربية السعودية بشكل عام، ونحو سمو ولي العهد الأمير محمد بن سلمان بشكل خاص..!
بعد حوالي 7 سنوات استطعنا أن نفهم بشكل أكبر وأكثر وضوحًا شخصية أميرنا الطموح.. صاحب الأحلام التي لا تعرف المستحيل بتوفيق الله.. وصاحب الضمير الحي الذي يرى الأمور من زاوية أكبر بكثير من مصلحة وطن هو الأول والأهم عنده وعندنا ولكنه ببعد نظره وحكمته يعرف حق المعرفة أن أمن واستقرار ونماء هذه الأرض الطيبة لن يتحقق بشكل كامل ما لم يتحقق أمن ونماء المنطقة بأسرها.. لذلك فهو يحمل على عاتقه مسؤولية منطقة كاملة ليكون الشرق الأوسط أوروبا الجديدة.. ومركز قوة عظمى تشترك فيها منطقة بأسرها تشد دولها أزر بعضها سياسيًا واقتصاديًا وأمنيًا واجتماعيًا حتى يرتق اجتماعها نقاط ضعفها فتصبح قوة شرق أوسطية لا يستهان بها.
كلمة سمو الأمير محمد بن سلمان في القمة المتفردة لم تكن كلمة تقليدية مكتوبة كبروتكول متعارف عليه، بل كانت كلمته حفظه الله نموذجًا فريدًا لرسائل عظيمة عرفت العالم بشخصيته بشكل أوضح، وحملت لنا وللعالم فكر هذا القائد الاستثنائي بصراحة وشفافية ووضوح أصر فيه وأكد بدفاع لافت عن القيم الخاصة بنا والتي لا يمكن بأي شكل من الأشكال ولا تحت أي ظرف وحال أن يتخلى عنها، حيث جعل الشراكة الحقيقية مشروطة ومقترنة بها..
هذه القوة وهذا التفاؤل وهذه الرغية الأكيدة والمسؤولية العظيمة تجاه المنطقة بأسرها رأيناها تنعكس بوضوح على قادة الدول الذين حضروا القمة.. والذين استشعرنا من خلال حضورهم تفاعلًا مختلفًا يملؤه الإيمان برؤية سمو العهد التي تخطت حدود المحلية إلى المنطقة بأسرها وذلك للنهوض بها سياسيًا واقتصاديًا وأمنيًا واجتماعيًا.. والذي لا يمكن أن يتحقق ما لم يتم تصفير المشاكل والأزمات عبر الحلول السياسية والواقعية لإعادة الأمن والاستقرار للدول المضطربة.. فالقادة آمنوا بأهمية تكثيف التعاون المشترك الذي حتمًا سينعكس بشكل إيجابي على مسيرة العمل المشترك معززًا لمتطلبات توفير الأمن، ومحققًا للأهداف التنموية التي ستساعد المنطقة على مواجهة تحديات كبرى، وهذا ما نص عليه أحد جوانب الشراكة الاستراتيجية بين المملكة العربية السعودية والولايات المتحدة الأمريكية من خلال تعزيز المصالح والرؤى المشتركة في أهمية ترسيخ مبدأ شرق أوسط يسوده الاستقرار والازدهار والأمن، حيث إن حصة دول الخليج من إنتاج النفط تصل إلى 20% خلال عام، مما يعني أن السعودية ترسل رسائل أنها تعمل وفق مصالح المنطقة وليس مصالحها فحسب، وأننا دول نعمل وفق الند للند وأن مسائل الأمن خط أحمر، ولن يكون هناك تنازل عن الركائز التي ارتكزت عليها قمة جدة للأمن والتنمية، ولعل من أهم ملفاتها هو تعزيز الاستقرار ودفع منطق الشرق الأوسط نحو التكامل والازدهار.
لا نبالغ إن قلنا أن سمو ولي العهد الأمير محمد بن سلمان فرض احترامنا كدولة وكمنطقة أمام كبرى الدول من خلال هدوئه وحكمته وبعد نظره في رؤيته، بالإضافة إلى إعادة بناء تكتل دول المنطقة من التباين إلى توحيد المواقف والرؤى، وهذا يعد أمرًا غير مسبوق وإنجازًا سينعكس إيجابًا على قادة وشعوب المنطقة، وستحقق مقولته التي ذكرها في منتدى الاستثمار بجعل منطقة الشرق الأوسط أوروبا الجديدة.