على مر الأزمان لم يكن الفقر عيباً، أنا فقيرٌ ابن فقير. وأنت يا صديقي كذلك. وهذا وذاك. والمؤشر الفاصل بين الفقر والجوع هو أدنى حدود الكرامة الإنسانية، كشعرة معاوية الفاصلة بين أمر وآخر.

وعلى صعيد مرتبط بالقيم والمعايير الخاصة بالدول، لا تكاد تخلو دولة من الفقر والفقراء. فهناك خط يمكن النظر إليه من أعلى منصة في نادي الجوع العالمي، يميز بين الفقر والجوع، والجوع الذي أقصد ليس ما يتعلق بالقوت اليومي الذي يحتاجه أي إنسان على وجه البسيطة، لا بل يتعلق بالماء والكهرباء والعمل ومؤسسات الدولة، الذي ينعكس بنهاية المطاف على قيمة البشر وكيان الوطن.

تقول دراسة أعدتها منظمة اليونسيف، إن 84 % من الأسر اللبنانية، لا تملك ما يكفي من المال لتغطية ضرورات الحياة. وتضيف الدراسة أن 23 % من أطفال لبنان ناموا جياعاً، خلال الأشهر الثلاثة التي سبقت إجراء هذه الدراسة.

ويشير تقرير المنظمة الأممية التي من المفترض أن تكون محايدة، إلى أن 70 % من العائلات اللبنانية، تسدد كلفة شراء الطعام إما من خلال مراكمة الفواتير «أي الديون»، أو عبر الاقتراض المباشر.

عقب الدراسة بثمان وأربعين ساعة احتفل «الذباب الإلكتروني» اللبناني الموجّة؛ بفوز منتخب كرة السلة على نظيره الفلبيني، وكأن شيئاً لم يكن، فردود الفعل تشعر متابعها بأن لبنان أشبه بالبندقية الإيطالية. الرفاهية يعيشها المواطن من النخاع إلى النخاع، ومن فرط السعادة يتنقل الشعب بقوارب مائية بين مكان وآخر.!

والبديهة تقود إلى سؤال حول مسببات تحول دولة لطالما كانت توصف عبر التاريخ، بأنها منارة الشرق الأوسط، وعاصمة الحرف والكتاب، والفنون إلى هذا الوضع؟

الجواب حسب فهمي لتركيبة هذه الدولة عاملان، الأول: القصر الرئاسي الذي تحول إلى إستراحة متقاعدين عن العمل العسكري. والآخر: حزب الله. بكل مصداقية واختصار، هذي هي العصى التى تعرقل حركة دولاب لبنان. فلا الأول استطاع ضبط القانون الذي ينزوي تحته الجميع، ويطبق بدون استثناء على الكل. ولا الآخر تمكن من الخروج من الأسلوب التبعي الرخيص لولاية الفقيه. وانعكس ذلك على إخراج البلاد من محيطها الذي كان على الدوام حاضراً في وقت الأزمات، وانقاد الجميع وراء عباءة السيد حسن السوداء.

والمشكلة في هذه الدولة تكمن في أن كثيرا من السياسيين فضلوا الانبطاح «عُراةً» على شواطئ زعيم ميليشيا حزب الله حسن نصر الله.

يفرض عليهم أبا هادي هذا الشكل حتى يتم تجريدهم من الإنسانية والوطنية. بالحب.. أو بالخوف من جبروت سلاح عصابته المتحكمة في مفاصل الدولة – هذا إن تبقى هناك دولة -. فلم يكن لبنان يوماً مسرحاً للظلام، الذي يعيشه المواطن اللبناني أكثر من نصف يومه مجبراً وليس مخيرا. بالمناسبة انقطاع التيار الكهربائي لا يحدث في أي بقعة على الأرض كما يحدث في لبنان. لكن يبدوا أن اللبنانيين تجاوزا ذلك؛ واعتادوا على أضواء الشموع. والبعض منهم على نور القمر في منتصف الشهر.

أتصور أن من أبرز أهداف زعيم الميليشيا الإرهابية في لبنان، وهي التي تحمي المارق الهارب من العدالة الذي هدد السفارة السعودية قبل أيام، هو فصل اللبنانيين عن محيطهم العربي، كما تمكن من فصل الدولة عن ذلك.

لهذا ينشط نصر الله دوماً في مهاجمة المملكة العربية السعودية. وآخر تقليعاته كانت اتهامه للرياض بصناعة تنظيم داعش، وفي ثنايا حديثه قال «أن هدف داعش هو السيطرة على مكة المكرمة والمدينة المنورة»، فكيف لدولة تصنع تنظيماً ما، تستهدف من خلاله استقرارها الداخلي وأمنها الوطني.!

الواضح هنا أن الرجل كان ضحية عقله الباطن، إذ أن ذلك هدف إستراتيجي إيراني، لم ولن تحققه طال الزمن أو قصر. لكن من منطلق مخاطبته العقول البسيطة والمتدنية، التي تشكل قواعده الشعبية ومؤيديه، وبتغليف مذهبي، يستند على أساس أنه الوكيل الأول لنظام الولي الفقيه، ويعبر عما يخالج المرشد الإيراني على الدوام، خرج بهذا المفهوم، الذي لا يقبله حتى عقلٌ صاحبه أخرق أو معتوه.

إن الواقع الذي عاشه زعيم تنظيم القاعدة أسامة بن لادن، لا يختلف كثيراً عن منطلقات الإرهاب والتخريب، التي يعمل على أساسها حسن نصر الله في لبنان. فذاك إرهابي بشكل صريح، وهذا إرهابيٌ بلا جدال يعمل على تنفذ أجندة ترمي في نهاية الأمر لزعزعة الاستقرار العالمي.

الفصل بينهما فيه كثير من الإجحاف، وظلمٌ كبير للعدالة، للباحثين عن السلام والتآخي.

ومن ذلك الاستنتاج، يجب معاملة نصر الله كما تمت معاملة ابن لادن زعيم أقوى منظمة متطرفة في العالم.

فحسن ليس بذلك الذكي.

إنما شاطر محاط بالأغبياء.

وفي رواية..

هو جنرال متعطش للقتل، بلا تدريب.

ولأنه الأقوى.. دخل لبنان نادي الجوع العالمي.