وليس الحديث عن تلجرام هو المهم هنا، بل بيان ما شكله من أرضية آمنة للعديد من النشاطات التي تحاول التملص من الرقابة، وقيود النشر على المحتوى، فعلامَ صار فعّالًا للعديد من تلك الأكاديميات، التي تدعي دفع الشبهات عن الإسلام؟ وهو موضوع يفترض أي عاقل أن يكون علنيًا، حتى يصل إلى أكبر قدر ممكن من الجمهور المستهدف، على اختلاف توجهاتهم إن كانوا صادقين، فعلامَ التكتيم، والحرص على عدم التسريب؟ وعلام يؤخذ تعهد من العديد من المنخرطين فيه بعدم نشر ما يتلقونه في الغرف الخاصة؟ وهي معلومة أكدها عدد ممن شاركوا في هذه البرامج، فما الذي يخشون ظهوره للجمهور؟ أم هو تدريب على العمل السري حتى وإن كانت المعلومة تافهة، من باب تدريبهم على الريبة في محيطهم، واختبارهم في حفظ الأسرار، للانتقال إلى مرحلة انتقاء أعلى؟
كان لا بد من فهم ظاهرة الأكاديميات الإلكترونية، التي تتكاثر، ويمكن أن تصل إلى أبنائنا بسرعة البرق، ومعرفة أي شيء تحمل في أحشائها من برامج، ومع توالي المعلومات، حصلت على تسجيل سرّبه لي أحد المشاركين في تلك الغرف، وهو مقطع لأحمد السيد، يحيل في ثنايا كلامه المستمعين إلى سيد قطب! فما علاقة هذا بما يقوله حول الشبهات، أم هي دعاية سياسية لأفكار سيد قطب؟ ليس فيها ذلك الهدف المعلن، بالحرص على عقائد الشباب الصاعد، والجيل القادم، خوفًا من الإلحاد، فلا يحفظ لسيد قطب كتاب واحد أو مقالة واحدة رد فيها على الإلحاد، أو ما يسميه بعض هؤلاء بالشبهات، بل يرفض قطب التعرض للجزئيات التشريعية، ففي كتابه (معالم في الطريق)، يذكر من يصفهم بالذين «لا يتدبرون طبيعة هذا الدين»، ممن يسعون إلى عرض «التشريعات الإسلامية» من باب أن من يفعل هذا «يحبب الناس في هذا الدين» ويزدري هذا بشكل صارخ، ويسميه بـ «وهم تنشئه العجلة!»، فهو يريد الحاكمية، يريد الوصول إلى السلطة، دون أي تفاصيل تشريعية سابقة، تطيل الجدل قبل هذا!
كان الخيار الأمثل أن يكون كلام أحمد السيد بعيدًا عن سيد قطب الذي لا يخدم عنوان مشروعه المعلن، لكنه آثر الدعاية لسيد قطب وتحبيب مستمعيه بكتبه، وهو ما عزز فرضية أن تكون هذه البرامج موجهة، وبدأت بجمع معلومات أكبر عن الشخصيات المشاركة فيه، وطرق التمويل، والدعاية، وتكشفت لديّ عدة حقائق، منها علاقة أحمد السيد بشخصية شهيرة على مواقع التواصل الاجتماعي: إياد القنيبي، سجين سابق في الأردن بتهم تتعلق بالإرهاب، وحين خرج زاره أبو محمد المقدسي ووثقت زيارته بمقطع مرئي على يوتيوب، كان جالسًا إلى جانبه، وهو يقول: «حبيبنا، الشيخ... أبو فاروق إياد القنيبي رفيقنا في السجن، الذي شاركنا في القضية التي حبسنا عليها من قبل»، وغني عن البيان أن المقدسي هذا صاحب كتاب: (الكواشف الجلية في كفر الدولة السعودية)! وسارع القنبي إلى تغيير لون جلده بعد خروجه من السجن، عبر بوابة حرب الشبهات، بالانخراط في برامج تعزيز اليقين، ونحو هذا.
بدا ظاهر تعاون (السيد/القنيبي) بريئًا غير مرصود للكثير من المتابعين، لكنه في تفاصيله الضيقة -وكما يقولون: الشيطان يكمن في التفاصيل!- كان يشير إلى انتقال عبر هذه البرامج، للعمل وفق هندسة فكرية خاصة، بعيدًا عن العنوان المعلن، وذلك لاحتواء الشباب في تكتل داخلي، والتدرج بهم، للوصول إلى مراحل قراءة الأدبيات الإخوانية المتنوعة، وفي صدارتها كتب سيد قطب، بحجة حمل همّ الأمة، وقد وبقي أرشيف العديد من المحاضرين شاهدًا على خلفيتهم الفكرية، بالتحريض على الجيش المصري تارة، وكثرة الإحالات إلى سيد قطب، مرورًا بمهاجمة السعودية، باللمز حينًا، وبالتصريح أحيانًا.