ولقد ذهب البعض هذا المذهب في تأويله، فغاب عنه جديد ذاك الفكر، وجديده أنه لا يستوي على أرض معروفة هي أرض الفلسفة، يشذب بعضًا منها، أو يصلح، أو يضيف.. جديده أنه ينتقل بالفكر إلى أرض بكر، في تأسيسه هو علم التاريخ، بناه -على حد قوله- «على أخبار الأمم الذين عمروا المغرب في هذه الأعصار (...) وها العرب والبربر»، وفي موضع آخر من «المقدمة» يقول، محددًا موضوعه، ومبينًا الهم الذي يستحوذ على تفكيره: «... قصدي في التأليف المغرب وأحوال أجياله وأممه وذكر ممالكه ودوله ودون ما سواه من الأقطار لعدم اطلاعي على أحوال المشرق وأممه، وإن الأخبار المتناقلة لا تفي كنه ما أريد منه...» (ص 33).
منطلق الفكر الخلدوني في «المقدمة، منطلق مادي، و«المقدمة» تكاد تكون بكاملها بحثًا في أسباب أزمة التطور التاريخي للمغرب، واحتدامها في القرن الرابع عشر، في تاريخ المغرب، وفي منطق هذا التاريخ نفسه، يبحث ابن خلدون عن هذه الأسباب، فلا يرجعها إلى مبادئ فلسفية قبلية يسقطها على هـذا التاريخ وواقعه، كما قد يفعـل فيلسوف من قبله، منطلق الفكر الخلدوني علمي لأنه، بالضبط، منطلق مادي
فابن خلدون يعالج مشكلة محددة هي مشكلة تلك الأزمة التي كان يتلمسها في مظاهر انحطاط المغرب في القرن الرابع عشر، وفي هذا المجال يقول مؤرخ معاصر:
«في القرن الرابع عشر أصبح الاضطراب عامًا: بدا نفوذ الملوك هزيلاً أكثر فأكثر، محاولتهم لمركزة الحكم كانت تنهار عند موتهم، إن لم تكن في حياتهم، المطالبون بالعرش يتكاثرون، کما تتكاثر ثورات القصور، تمرد الحكام يتضاعف، فيحاولون الانشقاق أكثر فأكثر (...)، أما بخصـوص القبائل العسكرية، فإن أهميتها كانت تزداد باستمرار، تزكيها إغراءات مختلف الملوك أو الطامعين بالعرش.
وكان رؤساء القبائل يجيزون لأنفسهم حق التمتع بإقطاعات متزايدة الأهمية، وكانت هذه الامتيازات الأميرية تضيف السلطة المركزية التي كانت أعجز من أن تقاوم مطامع الرؤساء الكبار (...)، إن تباطؤ تجارة الذهب بين أفريقيا الشمالية وبين السودان أثار أكبر قسم من العقبات التي عرفتها الدول المغربية من القرن الرابع عشر، ومن أجل محاولة الحفاظ على الأرباح التي كانوا يجنونها من التجارة، استخدم الملوك مختلف السبل المغلة على المدى القصير، والمفلسة على الأجل الطويل (...) إن مصادرة البضائع، والسلب، والاحتكارات، والامتيازات الفادحة، وسائر هذه التصرفات المخربة، والمستخدمة كما يشير ابن خلدون، عندما دخلت المملكة مرحلة الانهيار، لتتعارض مع أشكال التعاون التي تشرك التجار والملك في مراحل ازدهار مرحلة التجارة.
لا يهم بحثنا كثيرًا أن ندخل في تفاصيل هذه الأزمة وأسبابها، أو في اختلافها عن الأزمات السابقة التي مر بها المغرب، (ويرى إيف لاكوست هذا الاختلاف في تحول طرق الذهب بين أفريقيا الشمالية والسودان، فيجعل من هذا التحول السبب الأساسي -إن لم يكن الأوحد- لأزمة القرن الرابع عشر، وهذا التفسير الواحدي قابل للنقاش ).
ما يهم البحث هو أن ننظر في هذه العلاقة العضوية بين العملية المعرفية لتكون علم التاريخ عند ابن خلدون، وبين الحركة التاريخية المادية لمغرب القرن الرابع عشر، وجود هذه العلاقة هو الذي يسمح لنا بتمييز الفكر الخلدوني من الفكر السابق عليه، بأنه فكر علمي، وعلميته تكمن في أنه يبحث في حركة التاريخ المادية وشروطها الفعليـة عـن الأسباب التي تفسر تلـك الأزمة، وتفسر أيضًا غيرها من الأزمات التي تعاقبت في تاريخ المغرب أن يصل إلى نوع من الاستقرار ينطلق فيه في حركة تطور دائم ومتصاعد، بدلاً من أن يكون أسير حركة دائرية متكررة، ما إن تبلغ فيها الدولة ذروة تطورها حتى تبدأ بالانهيار، كأنها محكومة بلعنة.
وفي تعبير آخر نقول إن الشرط الأول لتكون علم تاريخي هو أن ننظر في التاريخ بعين مادية تجد في التاريخ نفسه أسباب حركته وظاهراته، أما العائق الأول الذي يحول دون تكون هذا العلم، فهو أن تنظر في التاريخ بعين دينية ترى إلى الظاهرات كلها، في التاريخ كما في الاجتماع، في منظور علاقة خلق تقيمها بين خالق وخليقة، وترد الأسباب إلى خالقها، هكذا يستحيل التاريخ في بحثه نفسه عن الأسباب فرعًا من الفقه، أو من فلسفة غيبية، مثل هذا التاريخ هو الذي كان سائدًا، فكان عائقًا يحول دون تكون التاريخ في علم، أو قل إن الفكر الديني الذي كان يحكم الممارسة التاريخية هو الذي كان العائق المعرفي.. ليس بفكر هو امتداد لهذا الفكر ينبني التاريخ في علم، بل بفكر آخر منعتق منه، هو فكر مادي نجده، بالتحديد، في الفكر التاريخي لابن خلدون.
علمية هذا الفكر تكمن في موقف مادي من التاريخ يفسر التاريخ من داخله -لا باللجوء إلى مبدأ خارجي- بأسباب هي فيه، لها بالتالي، طابع مادي؛ ولهذا التفسير الطابع العلمي الذي للفكر، حتى لو أخطأ الفكر في التفسير، أو قل في تحديد الأسباب بدقة، لذا وجب التمييز في المعرفة بين خطأ وخطأ غير علمي، فالأول ضروري بسبب من تاريخية المعرفة، ووجوده لا ينفي الطابع العلمي من الفكر الذي يقع فيه، بل هو بالعكس يؤكده فيحدده؛ أي يضعه في موقعه من الحركة التاريخية للمعرفة.
وقد يلعب هذا الخطأ، أحيانًا، دورًا إيجابيًا في تطور المعرفة، في ميدان من ميادينها، بمعنى أنه قد يكون ضروريًا لهذا التطور، إنه في كل حال خطأ فكر، ويتحدد كخطأ بالنسبة إلى هذا الفكر وعلى تربته، أما الثاني فهو من فعل فكر غير علمي، وقد لا يصح تحديده، بكل دقة كخطأ، لأنه من فعل هذا الفكر، بينما الخطأ ليس خطأ إلا قياسًا على فكر علمي، فالثاني هذا إذن لا يدخل في تاريخ العلم، ولا يحظى بكرامة الأول، بل يدخل في تاريخ ما قبل الفكر العلمي، إنه من عنصر معرفي آخر، ومن تربة معرفية أخرى.
ونعود إلى ما كنا فيه من تحديد علمية الفكر الخلدوني فنقول: إن فكرًا تاريخيًا لا يمتلك أدواته المعرفية النظرية يصعب عليه أن يعالج بعلمية مشكلة ملموسة محددة، إلا إذا كان فكرًا تجريبيًا، فقبل بأن تكون معالجته متسطحة، تكتفي من الواقع بظاهره، ومن المعرفة بمقاربة هذا الظاهر، فالمقاربة العلمية نفسها تفترض، بالضرورة، وجود نظرية بها تكون المقاربة، وتملك القانون الكوني شرطًا، بالطبع، لإمكان تمييزه.. لم يدفعنا إلى هذا القول سؤال يطرحه إيق لاكوست هو التالي: «لماذا يشرح ابن خلدون هذه الأسباب الخارجية للأزمة العامة التي عاناها».
1984*
* باحث وكاتب لبناني «1936-1987»