تكاد تنمحي الحدود بين الأدب والتاريخ والسياسة، في كتاب الدكتور مصطفى عبد الغني والاتجاه القومي في الرواية، بالطبع يجب الباحث الأدبي صلة الأدب بالأحداث السياسية التي تشكل الإطار العام لكتابة التاريخ، بل إننا نأخذ على البنيوية ميلها الغالب إلى إهمال هذه الصلة، إنما الشرط ألا ينسي الباحث أيضا، أن كلا من الأدب والتاريخ والسياسة، يعتمد منهجا علميا موضوعيا في الدراسة، وأن هذا المنهج العلمي يختلف كثيرا أو قليلا عن الممارسة الفعلية لهذه الجوانب من النشاط البشري.

فإذا كان الأدب في إبداعه وتلقيه، قائما على دوافع وجدانية، فإن «علم الأدب» لا يرى في هذه الدوافع إلا جزءا - من مادة الأدب التي يحللها إلى عناصرها ليكتشف العلاقات بين هذه العناصر - بعضها وبعض، ثم بينها جميعا، وبين العوامل الخارجية التي تتفاعل معها، وبذلك يمكن أن يدعى علم الأدب أنه توصل إلى قوانين، أو كتب فصلا في وصف الحياة الروحية للإنسان، وإن لم يفعل ذلك فليس لوجوده مبرر بجانب الأدب ذاته، وعلم التاريخ وإن وجد – حتى اليوم – من ينظرون إليه على أنه نوع من الإبداع الأدبي، فإنه في نظر الكثرة الغالبة من أصحابه علم جمع الوثائق والتثبت من صحتها، وفهم دلالاتها للتوصل إلى صيغ تعبر بأقصى درجة ممكنة من الدقة والاستيعاب، عن حالة مجتمع معين أو قسم معين من هذا المجتمع في حقبة معينة وعلم السياسة – ولعل أصحابه يسمحون -لنا بهذا الوصف المجمل - يختلف عن الممارسة السياسية بأنه يدرس العوامل الموضوعية، التي تجب مراعاتها عند صنع القرار، وحدود ما يمكن التنبؤ به وما لا يمكن التنبؤ به من هذه العوامل، فالخلاصة أن كل واحد من هذه العلوم الإنسانية الثلاثة، يحاول ألا يجعل لهوى الباحث دخلا في صياغة قوانين العلم، وإن كان من المسلم به أن الباحث يختار موضوعه وفقا لميوله الشخصية، التي يمكن ألا تكون علمية خالصة، والبحوث العلمية المركبة – أو البينية كما يقال أحيانا - لا تهمل أي واحد من المناهج، التي تعتمد عليها هذه البحوث في جوانبها المتعددة، فهناك أولا مبدأ علمي مشترك وهو الموضوعية، ثم هناك الحدود، والتي يجب ألا يتجاوزها فيجور على العلم الآخر. وقد أظهرت تلك الدراسات المركبة أو البينية الخاصة بكل علم، مناهج مركبة أيضا، ومنها – في مجال الدراسات الإنسانية منهج التفسير الاجتماعي البنيوي للأدب، وقد ابتكره لوسيان جولدمان، من الجمع بين الدراسات الأدبية والتاريخية والاجتماعية، وغنى عن البيان أن منهج كل من العلوم الثلاثة، يظل مرعيا في المنهج الجديد الذي يركب منها، ولا أظن أن الدكتور مصطفى عبد الغني يجهل شيئا من هذا، وقد أعلن في مقدمته أنه سيتبع مذهب جولدمان، وأظنه كان «يود» أن يفعل ذلك، ولكن الودادة شيء والفعل شيء آخر، كما أن العلم بأمر ما لا يعني بالضرورة العمل به. فهناك مسافة بين العلم والعمل، أو بين النية والفعل. يصدق هذا القول على البحث الأدبي كما يصدق على أي عمل عادي، وتخصيص هذا الحكم بالبحث الأدبي، راجع الى أن الباحث في العلوم الطبيعية – وحتى في العلوم الاجتماعية – محكوم بمنهج صارم ومادة يسهل تصنيفها، أما الباحث الأدبي فمادته التي تملأ المسافة بين النية والفعل، أو بين الخطة والتنفيذ شديدة الاختلاف والاختلاط، وربما دعت الباحث إلى تعديل في الخطة، وربما كانت نيته – في الأصل - غير خالصة للبحث الموضوعي الفكرة القومية، ولست أريد أن أعتذر عن مصطفى عبد الغني. يكفيه أنه أمضى في جمع هذه المادة من مختلف الأقطار العربية قرابة خمس سنين، وأنه بذل في تصنيفها جهدا هائلا، وأنه استطاع التوصل من - خلال هذا التصنيف، إلى نتائج قيمة، قد يكون من أهمها تعدد الأشكال التي ظهرت بها الفكرة القومية في الرواية العربية، تبعا للظروف المختلفة التي مرت بها الشعوب العربية في تطلعها نحو الوحدة: من الشكل الإيجابي الذي يربط بين الوحدة القومية والعدالة الاجتماعية، إلى النقد الذاتي الذي راح يكشف عن جذور التخلف، بعد أن أظهر الانفصال بين مصر وسوريا هشاشة مشروع الوحدة، إلى أشكال أكثر ثورية لدى الكتاب الفلسطينيين واللبنانيين على وجه الخصوص، حين امتحنت الفكرة القومية في البلدين بالمجازر، التي أعقبت هزيمة 67، وبالحرب الأهلية التي بدأت سنة 75 في لبنان، وطالت زهاء أربع عشرة سنة إلى أشكال أخرى أكثر سلبية للمثقف المنطوي على ذاته، الذي انكسر تحت وطأة التعذيب في المعتقلات، أو الضياع في الغربة، ولم يعد قادرا على الفعل، بل لم يعد قادرا على الفهم. هذه نتائج مهمة بدون شك، ولاسيما أنها جمعت كتاب الرواية العربية على صعيد فكرة واحدة، فكان البحث، بذاته، عملا «قوميا» مهما، كما أنه محاولة طموح في حقل الدراسات الأدبية الشاملة - أو بعبارة «ولا أريد أن أقول المقارنة!» وهو حقل يكاد يكون مهملا. ولكن يبقى المأخذ الكبير على هذا العمل، أن صاحبه لم يلتزم بالمنهج العملي، الذي أشعرنا في مقدمته أنه يريد أن يتبعه، وأحسب أن انحرافه عن هذا المنهج العلمي قد جعل الصورة التي قدمها لنا عن موضوعه، أقل وضوحا مما كان يمكن أن تكون أخرى، أن فرط حماسته لموضوعه

«القومية العربية» جعلتنا نفهم القومية العربية، من خلال الرواية ومن خلال التاريخ معا، فهما ناقصا، لأنه فهم مشوب بالانفعال.


1995*

*ناقد وأكاديمي مصري

«1921 - 1999»