العلم الزائف والمعلومات الزائفة آفة موجودة في كل زمان وليس في زماننا فقط، يخلط كثير من الناس اليوم بين العلم الحقيقي والعلم الزائف، وبين المعلومات الحقيقية والمعلومات الزائفة، ويتطلب من المتلقي بعض المهارات والأساليب لكي يميز الغث من السمين، وبعد فترة من ممارسة هذه العادة يكتسب الشخص مهارة في تنقية المعلومات وتمييزها على أساس موضوعي، ونحن أمة الإسناد التي أقامت علومًا وطرقًا منهجية صارمة ودقيقة لم يسبق لأمة أو ثقافة أن أقامت مثلها أو مثل قريب منها، وقد استطاعت هذه الآليات المنهجية أن ترتقي بالمصدر الثالث من مصادر المعرفة (الخبر الصادق) وتحصنه بآليات منهجية صارمة.

واليوم لفرز الأخبار والمعلومات العلمية ومعرفة الصادق من الزائف يحتاج المتلقي دراية ولو بسيطة بمحاكمة الرواة والمتون والإسناد، ولكن بالأساليب العصرية فلا يكفي مثلاً أن يكون لقب من سمعت المعلومة منه دكتورًا أو بروفيسورًا أو عالمًا، هذه الألقاب وغيرها لا تعطي لصاحبها إجازة مطلقة مع أنها فعلًا توحي بأن الشخص هذا متخصص في علم ما على الأقل، وقد يكون مثقفًا ومطلعًا على علوم أخرى.

ولا يكفي أن يكون شخصًا محبوبًا لديك أو أنه شخصية مشهورة، هذا أيضًا لا يجيز للشخص الحديث في غير اختصاصه، وكذلك إذا تحدث شخص في غير اختصاصه ليس يعني بالضرورة أن ما يقوله غلط، ولكن يعني أنه يجب البحث في صحة ما يقول، ويجب مراعاة أمرين رئيسين في البحث عن صحة المعلومة وهما:

أولا - المصدر:

عندما تسمع معلومة من شخص معين يجب أن تعرف هل هذا الشخص متخصص في نفس مجال هذه المعلومة وما مستواه الأكاديمي في هذا المجال وما هي خبرته وإنجازاته وماهي المؤسسة التي ينتمي لها، تستطيع اليوم بسهولة البحث والاطلاع على السيرة الذاتية لصاحب المعلومة على أن تكون هذه السيرة الذاتية موجودة في موقع موثوق مثل ويكيبيديا أو الجامعات والمراكز المعروفة والأهم من ذلك أن تبحث في Google scholar وسوف تجد كل أبحاث هذه الشخص، وأيضا تجد كم عدد استشهادات الباحثين الآخرين بأبحاثه، وكلما زادت تلك الاستشهادات زادت أهمية أن تكون الأبحاث التي قام بها في مجال المعلومة نفسها التي تبحث عن مصداقيتها.

أما المصادر من المراجع الموثوقة فهي المراجع التي لا تنشر إلا بعد تحكيم وفحص دقيق من ذوي الاختصاص وهي المجلات العلمية المحكمة صاحبة (عامل التأثير) العالي، وهي معدودة مثل مجلة نيتشر، ومجلة ساينس، ومجلة العلوم الأمريكية وغيرها من هذا المستوى وهذا النوع، وكذلك الكتب الجامعية والموسوعات العلمية، وحتى الكتب العلمية غير الجامعية إذا نشرتها دار نشر من الدور التي تراجع ما تنشر بواسطة خبراء مختصين.

ثانيا - المحتوى:

ويجب مراعاة عدة أمور في التعقب مثل السياق الذي وردت المعلومة فيه وهذا يُحدث أحيانًا غلطات ومغالطات، ومن أشهر الأمثلة:

ذات مرة نُشر في مقال «هزلي» في المجلة الطبية البريطانية مقال تحت عنوان (ممارسة المراهقين لألعاب الكمبيوتر من الجيل الجديد يقوم بحرق الطاقة) وللأسف أعيد نشر هذه المعلومة (الزائفة) في منشورات (علمية) أكثر من 400 مرة لأن المجلة مشهورة وموثوقة، وغفل الكثير عن السياق الذي وردت فيه المعلومة.

كذلك يجب مراعاة المصدر الأصلي للمعلومة فأحيانًا يحصل أن المصدر (أ) ينشر خبرًا فينقل عنه (ب) ثم يعيد (أ) نشر الخبر مع وضع (ب) كمصدر ومرجع للخبر ويحصل هذا كثيرًا، ومن الأمثلة على هذا: المعلومة الطبية (الزائفة) التي تقول إن الانسان يستخدم فقط 10% من دماغه، ويذكر كتاب أشهر 50 خرافة في علم النفس عن إحدى الدراسات أن ثلث الطلاب الجامعيين الذين يدرسون علم النفس كمادة تخصص يعتقدون بصحة هذه المعلومة (الخاطئة) وكذلك 6% من المتخصصين في علم الأعصاب أيدوا هذا الاعتقاد!

الخرافات العلمية ليست فقط الـ 50 المرصودة في الكتاب المذكور آنفا، ولكنها منتشرة في أغلب العلوم مثل الفلك والطب وعلم الجينات وميكانيكا الكم وغيرها كثير.

وبطبيعة الحال فهي مستويات مختلفة بعضها أعور واضح عَوَره وبعضها يتطلب من المتلقي بحثا -لمدة دقائق محدودة- بالطرق التي ذكرنا وبعضها صعب يحتاج وقتا وجهدا أكبر.