الكل يلمس نتائج الانفجار التقني المتسارع كل حين، سرعة في التواصل، ونقل المعلومة، وما رافقها من شهرة كذلك، قد يكون امرؤ غير معروف اليوم، وبعد لحظات يحظى بملايين المتابعين من مختلف البلاد، هذه الشهرة الكبيرة، تدفع إلى مسؤولية في المعرفة، حيث إن الشهرة باتت ممكنة للجميع، العالم، والجاهل، وللشهرة ضريبتها، فتحت إلحاح المتابعين أو المعدين للبرامج يجري طرح مواضيع متنوعة، وحينها يوضع الملقي تحت ضغط تقديم المحتوى، بإظهار أنه يعرف، وأنه ينصح.

عديد من المشاهير باتوا موضع سؤال من متابعيهم في مواقف متنوعة، علمية، وسياسية، واجتماعية وغيرها، والإشكال أن شهرة شخص أو قدرته على الحديث، قد تجعل محتواه غير العلمي موضع قبول المتلقين، وفق مغالطة الاحتكام إلى الكثرة، ومحاكاة الجماهير، في هذا يظهر ضرورة الأهلية العلمية في الملقي والمتلقي.

لا أتحدث هنا عن ضرورة التخصص العلمي الدقيق في موضوع محدد حتى يُسمح بالحديث فيه، إنما عن أهلية معقولة في الموضوع فليس كلامي أن يمتنع عن الكلام إلا حملة الشهادة الجامعية، فمع كثرة التخصصات العلمية، وإلحاح الحديث في مواضيع متنوعة فإن فكرة المنع حالمة، لا أرضية تستند إليها، بل إن بعض البرامج هي أساسًا شهرتها من باب تبسيط العلوم، والمعارف، والثقافة، الأهلية المقصودة هنا هي الخطوط العامة، المتقاطعة مع التفكير العلمي، لا يلزم ممن يفكر هذا أن يكون عالمًا، إنما يحتكم إلى أدوات تجنبه على الأقل العلم الزائف، والثقافة الخادعة، إلى أكبر قدر ممكن.


فمن يقدم برنامجًا في موضوع يتقاطع مع بحوث وعلوم، عليه أن يعد نفسه بصورة جيدة لهذا فيحرص على الاطلاع على دراسات وكتب في الموضوع المقصود، ويستعين بمتخصص إن قدر على هذا لتفادى نشر أي أخطاء علمية في برامجه، ووجود متابعين على درجة من الوعي يرفع درجة البرامج المتنوعة، كون المقدمين سيدركون أن من يستمع إليهم على درجة من الوعي تمنع عليهم الحيل الإعلامية، كالاحتكام إلى العاطفة، في مقابل الحاجة إلى الدراسات والأرقام، فضلًا عن الحاجة إلى فئة تكاد شبه معدومة في التعامل مع البرامج المتنوعة، ألا وهي النقاد، فهؤلاء يرصدون الثغرات مختلف الجوانب في البرامج الإعلامية والدعائية، المختلفة.

هذه الفئة مفيدة جدًا على ندرتها، رغم أن عديدا من الناس لا يرون فائدة لوجود نقاد يرصدون البرامج التي لها شهرة كبيرة أو يتذمرون متى سمعوا كلمة في أحد برامجهم المحببة إليهم، على أن هذه الفئة مفيدة حتى لمن ينقدونه، إذ يبرزون الأخطاء التي قد يسعى هؤلاء المشاهير إلى تفاديها لاحقًا، أو يلهمون أحد المشاهير القادمين بتفادي أخطاء سابقيه بناءً على نصائح النقاد المتنوعة، والأهم بالنسبة للمتلقي أنهم قد ينبهونه على خطأ مر عليه دون أن يفطن له تحت تزاحم متابعاته المختلفة، أرى لزامًا على المتابع أن يجعل ذهن منفتحًا، لتعلم مختلف المهارات المتعلقة بالقدرة على التحقق من المعلومات الواردة برنامج إعلامي أو منشور على وسائل التواصل، في المقابل، ألا يتعامل مع شيء أحبه بتعصب بحيث يتذمر من كل كلمة مخالفة.

فالأخطاء التي يبثها مشهور واحد في برنامج أو على وسائل التواصل، تتشر بصورة كبيرة، مهما صغرت تلك الأخطاء فإن توزعها على كمية كبيرة من الناس يجعل من الأمر كبيرًا لا يستهان به، فإن الخطأ قديمًا كان يتطلب لانتشاره وقتًا طويلًا، وقد ينحصر في دائرة صدقت به فحسب، أما اليوم، فهذا الانتشار، والسرعة والتتابع تهدد بإرباك ضخم للمعلومات عند المتلقين، هذا وهم يتابعون أكثر من شخص، وسرعة تقليب المعلومات، يجعل احتمالية تسرب المغلوط منها عالية.

الإمكانيات الهائلة التي صارت بمقدور الجيل اليوم، عالم سهل في الاتصال والتواصل، ترفع من المسؤولية الأخلاقية المعرفية، فنحن ملزمون بعدم تشويه المعرفة عند أبنائنا، أولئك الذين يمكن لعشرات التفاصيل الصغيرة مع العدد الضخم من المعلومات التي يتلقونها كل يوم على وسائل التواصل، يمكن لهذه التفاصيل أن تشوه تصورهم عن العالم، الحياة، والعلم، والتفكير السليم، فأرى أن المسؤولية الأخلاقية في المعرفة، بأن من يملك تخطيئًا لمعلومة قيلت، ألا يحبسها بل يشارك غيره بها، حتى لا يكون انتشار الخطأ أسرع من الصواب، في عالم، يتسابق في السرعة.