إن التباهي بالجوائز الفاخرة يمنح المعجبين والأصدقاء والمتابعين والأصدقاء وحتى أفراد الأسرة اعتقادًا بأنك حققت شيئًا ما، لكن شراء أو استجداء أو حتى التحايل والإجبار لجمع الجوائز ليس السبيل لبناء القدرة على الاستمرار، لأنه متى ما أدرك الناس ضعف المنتج سوف تخسر كل ما صرفته على بناء تلك الثقة المزيفة ولا يمكن لأي مبلغ من المال أو أي عدد من الجوائز استعادة ذلك، وكالطيف سوف تختفي مع انحسار الضوء! فالثقافة قبل أن تكون فكرًا هي سلوك ونمط حياة ينتجه المفكرون والأدباء والشعراء والفنانون، أعمال تتحدث عن ذاتها ولا تحتاج لضجيج كي تنتشر، قد تتأخر بالظهور، ولكنها تبقى وغيرها يختفي ويفنى!
اليوم يمكن لأي شخص على وجه الكرة الأرضية ممن يستطيع الدخول إلى إحدى وسائل التواصل الاجتماعي من أن ينشر ويصبح من المؤثرين على الساحة، يغض النظر عن مستوى ما يقدمه من رقي أو هبوط، فالأمر لا يحتاج خبرة أو تدريب، مجرد نشر مع ضربة حظ وينتشر المقطع ويصبح صاحبه من المؤثرين الذين يصابون بتضخم في حجم الرأس ويصدقون أنهم بلغوا أعلى المراتب في العلم والثقافة، فينطلقون في فضاء الإنترنت يتحدثون بكل ثقة عن كل شيء ولا شيء؛ من الانشطار النووي إلى فرضية العدم! فالذائقة الجمعية أصبحت مشوهة لدرجة مخيفة، فأصبح من السهل الاقتناع بأن الإسكافي ينتج قمحًا.
واليوم أيضًا يمكن لأي شخص على وجه الكرة الأرضية ممن يمتلك لوحة مفاتيح وشاشة أن يكتب وينشر على صفحات الإنترنت، ولكن هل يمكن للجميع أن يكونوا كتّاب؟ هل يُمكّن لأي شخص لديه الرغبة في أن يأخذ بعضامن دروس الموسيقى أو يسجل في نادي رياضي، أن يصل به الأمر أن يؤلف معزوفة أو ينافس في الأولمبياد؟ إن ذلك يتطلب سنوات طويلة من التدريب ناهيك عن الموهبة!
ليس من الصعب تحديد الأسباب التي تقف خلف انتشار بعض كُتّاب الصحف والمجلات والمدونات، بينما تمر أعمال عميقة وثرية دون الالتفات لها، أو انتشار بيع بعض الكتب بشكل كبير ،بينما تقبع كتب أخرى على الرفوف لسنوات، فبمجرد مرور سريع على الدراسات الحديثة لعلم الاجتماع وعلم السلوكيات، سوف نجد أكثر من تفسير، المهم أن الواقع يشير إلى أن هنالك كتّاب مقالات مبدعون تخلوا عن أقلامهم بعد أن يئسوا من تجاهل المجتمع لهم، ونجد أيضًا تجاهلًا لكتب مفكرين وأدباء وشعراء معاصرين يكافحون لدفع تكاليف المعيشة، بينما يفوز المتسللين في اليانصيب الأدبي ويبيعون كتبهم التي لا تفتقد إلى البناء الدرامي فحسب، بل قصورًا في التطور والعمق في رسم الشخصيات، أو خلل واضح في التركيب البلاغي، ناهيك عن انعدام الأصالة، ومع ذلك يصبحون من المؤلفين الأكثر مبيعًا وانتشارًا! المؤسف حقًا أن الكثير من العامة لا يدركون أن مجرد انتشار العمل، لا يجعل من صاحبه مبدعًا، يسيرون خلف الزمار إلى هاوية الثقافة!
إن الكاتب مفكر قبل كل شيء، يراقب العالم ويحلله باستمرار، فهو ليس منفتحًا، بل انطوائي لا يفحص ما يجري بداخله فحسب، بل يدرس ويدقق بأفعال الآخرين... كلماتهم... مشاعرهم... سلوكياتهم... انطباعاتهم... نجاحاتهم وفشلهم؛ يحاول أن يرى العالم بأعين الآخر، وهو بالوقت نفسه ينظر إلى الأنظمة الاجتماعية والسياسية والاقتصادية من حوله ويفصلها ويشرحها لنفسه كي يفهمها، ويحاول معرفة سبب فشلها أو كيف يمكن أن تكون أفضل... يفكر لساعات وأحيانًا لأسابيع في سبب قوة كلمة وضعف أخرى. والكاتب دائمًا ما يضع نصب عينيه الصورة الكبرى مع التركيز على التفاصيل الدقيقة، فهو قبل كل شيء فنان يتمتع بخيال خصب، وعالم يفهم كيف تتناسب كل تلك الأجزاء فيجمعها ليقدمها في بوتقة واحدة متناغمة متناسقة، يسأل ليجد الإجابات ثم يشاركها بطريقة تجعل العالم أكثر ثراءً بكلماته، وهكذا يعيش الكاتب من خلال أعماله التي متى ما كانت ذات قيمة وثرية بما فيه الكفاية، حققت لصاحبها الخلود... وتختفي كزبد البحر أعمال المتسلقين الهشة الباهتة مضمونًا وفكرًا، فالعمل الجيد لا يحتاج أن يُعرض أو يُسوق بل يُبحث عنه... فصندوق الإبداع العالمي بات مفتوحًا أمامنا لا يشهد على من ذهب، بل عمن بقي البحث عنه جارٍ إلى يومنا هذا، ولهذا نستطيع القول إنه بالرغم من أن هنالك أضواء لا تستحق، ستبقى هنالك أضواء لا تُحجب... والزمن هو الحكم.