الآن أصبح الحج أكثر يسرًا وسهولة، والخدمات الصحية أكثر وفرة، بوجود 8 مستشفيات وأكثر من 93 مركزًا صحيًا في المشاعر المقدسة، وتوفر الكادر الطبي المتخصص، حتى في أكثر الأوقات صعوبة. أثناء جائحة كورونا، أتم الحجيج حجهم دون تسجيل أي إصابة بينهم، وما بين الكوليرا وكوفيد-19 فرق كبير، صنعه الاهتمام من ولاة الأمر والحرص من حكومتنا الرشيدة.
في (يوم التأسيس).. يتعين علينا عدم إغفال الاعتناء بصحة الإنسان الذي هو عماد وقوام تطور المجتمعات وتقدمها.
لو عدنا بالذاكرة للوراء وتحديدًا 1912 وهو العام الذي عرف بـ «سنة الحصبة»، سنة أصيب فيها صغار الرضع بالحصبة التي انتشرت بينهم وأهلكت منهم الكثير، لعدم توفر التطعيمات، وعدم وجود نظام صحي متطور.
وفي 1941 انتشر السعال الديكي أو ( الشهاق) بين الأطفال، وهلك الصغار، وبعد ذلك ظهرت اللقاحات ضد الأمراض الستة القاتلة في الطفولة، فصدر مرسومان ملكيان عام 1979 و 1983، بربط منح شهادة الميلاد بالتطعيمات الأساسية، وفي عام 1988م أضيف تطعيم الكبد الوبائي لتطعيمات الأطفال. وأضيفت بعد ذلك تطعيمات أخرى لجدول التطعيمات الأساسية، فقلت الأمراض المعدية بين الأطفال، وانخفضت وفيات الرضع.
في مقارنة سابقة ما بين عامي (1990-2012) ظهر انخفاض أعداد وفيات الأطفال خلال أقل من خمس سنوات في السعودية من 44 حالة لكل 1000 طفل عام 1990، إلى 18.7 لكل 1000 طفل عام 2012، كما انخفضت أعداد وفيات الأطفال الرضع من 34 حالة لكل 1000 طفل عام 1990 لتصل إلى 16.2 لكل ألف طفل عام 2012، والآن عدد الوفيات أقل بكثير وذلك لتطور الخدمات الصحية، حتى معدل الإعاقات انخفض بفضل البرنامج الوطني للفحص المبكر لحديثي الولادة للحد من الإعاقة.
ما كنا لنلمس هذا التغيير ، لولا العطاء السخي والاهتمام الذي توليه حكومتنا الرشيدة لهذا القطاع، للنهوض بصحة المجتمع. ولو قارنا معدل الوفيات بين الأمهات الحوامل، لوجدنا أن هناك انخفاضًا ملحوظًا، حيث انخفضت من 48 حالة لكل مئة ألف امرأة عام 1990 لتصل إلى 14 حالة لكل مئة ألف امرأة عام 2012، بعد اعتماد برامج رعاية الحوامل، وكثرة العيادات والمستشفيات، فقد زاد عدد الأسرة، وكثر الأطباء، فأصبح هناك ما يزيد عن 102 ألف طبيب وطبيبة.
وبعد أن ارتبطت تواريخ الجزيرة العربية بالأوبئة، فمن سنة الطاعون، لسنة الجدري، لسنة الرحمة (الإنفلونزا الإسبانية)، لسنة الحميقة أو الحصبة، وكلها أزمنة لأوبئة فتكت بسكان الجزيرة العربية فأصبحت جزءًا من تاريخهم وسجلهم الصحي. ففي عام 1111 هـ تفشى بين الناس وباء يأكل الجلد ومن ثم يقتلهم، ومن نجا من الموت لا ينجو من التشويه، إنه وباء الجدري، وكان المرض فتاكًا، إلى درجة أنه يؤدي إلى وفاة نحو ثلث المصابين به من البالغين، وثمانية من بين كل 10 أطفال، وعاد مرة أخرى عام 1939، وأهلك كثيرًا من الخلق ومنهم من فقد بصره، فبدأ مفهوم الحجر الصحي في ذلك الوقت، وظهرت تطعيمات ضد هذا المرض، فكانت حملات التطعيم تدور الشوارع بأمر من حكومتنا الرشيدة، وتطرق أبواب المنازل لتطعيم الأفراد. ولأن الوباء بلاء يجب الفرار منه بادر الجميع لأخذ التطعيم رغم قلة معرفتهم، وانحسر الوباء في العالم وانتهى بحلول عام 1980 حسب تقارير منظمة الصحة العالمية.
وقبل الجدري كان عام الرحمة، في 1919 وسمي بذلك لكثرة ضحاياه والترحم عليهم، حتى أنهم استخدموا الأبواب عوضًا عن النعوش، لكثرة الموتى، فكان يُصلى في اليوم على 100 جنازة بسبب هذا المرض، وهذا الوباء قيل إنه الإنفلونزا الإسبانية، وفي أقوال أخرى إنفلونزا الخنازير، وقتها استقدم المؤسس الملك عبدالعزيز - رحمه الله - الأطباء لعلاج المصابين والحفاظ على صحة الشعب، وبعد هذه الجائحة وبالتحديد عام 1925 تأسست مصلحة الصحة العامة، التي تحولت بعد ذلك إلى وزارة الصحة.