التاريخ يذكر بمزيد من الفخر، أن جلالة الوالد الملك عبدالعزيز بن عبدالرحمن الفيصل آل سعود، طيب الله ثراه، أعلن ووضح لمن في مكة وضواحيها من سكان الحجاز، الحاضر منهم والباد، في 12/ 5/ 1343، بعد حمد الله الذي لا إله إلا هو رب البيت العتيق، والصلاة والسلام على خاتم أنبيائه، الخطة التي سيسير عليها في الديار المقدسة، لتكون معلومة عند الجميع، ومما أعلنه قوله «كل من كان من العلماء في هذه الديار، أو من موظفي الحرم الشريف، أو المطوفين ذي راتب معين، فهو له على ما كان عليه من قبل، إن لم نزده فلا ننقصه شيئاً، إلا رجلاً أقام الناس عليه الحجة، أنه لا يصلح لما هو قائم عليه..»، وتنفيذاً للإعلان وللوصية، أتت بعد ذلك جملة من الأوامر والتنظيمات المتعلقة بالسقاية، ومنها الأمر السامي الصادر عام 1351، المصادق على تعليمات جراري الزمازمة والمحدد به رسوم تلك الخدمات، ثم المرسوم الملكي الصادر عام 1385، في شأن تحديد عوائد أرباب الطوائف ومنها خدمات الزمزمي بمبلغ (3.30) ثلاثة ريالات وثلاثين هللة عن كل حاج، ثم المرسوم الملكي الكريم عام 1397، في شأن رفع أجور خدمات أرباب الطوائف ومنها خدمات الزمزمي لتصبح (11.55) أحد عشر ريالاً وخمساً وخمسين هللة، ثم الأمر السامي عام 1402، بالموافقة على إبقاء طائفة الزمازمة، وقصر عملهم خارج الحرم المكي الشريف، وصدر على أثره عام 1403، قرار وزير الحج والأوقاف، بإنشاء مكتب الزمازمة الموحد، بهدف حصول الحاج على ماء زمزم في مسكنه بمكة المكرمة بأيسر الطرق، وتوسعت الخدمات لتشمل سقيا الحاج عند استقباله داخل مراكز التوجيه، وعند توديعه في مراكز التفويج، وسقيا الناس على مدار العام، وأخيراً تحول المكتب إلى شركة مساهمة، باسم «شركة الزمازمة»، مواكبة للرؤية المباركة، والتوجيهات الصادرة من مجلس الوزراء في ما يخص نظام مقدمي خدمة حجاج الخارج، ويشهد الجميع لخدماتهم بالإبداع والتميز.
مهنة السقاية التي تبرز كما ذكرت في الحج، من المهن المتوارثة على مدى التاريخ في خدمة حجاج بيت الله الحرام، وهي وإن تطورت كثيراً، ولله الحمد، إلا أن التاريخ القريب يحفظ بل ويحن إلى تلك الصور الجميلة لعمل الزمازمة داخل الحرم المكي الشريف، حيث كان يقوم الزمازمة بجلب ماء زمزم من البئر، وتخزينه في «الأزيار»، وفي «براميل» مخصصة لكل عائلة، في غرف مخصصة للزمازمة، في «الخلوات» أسفل الحرم، وكيف كان الزمزمي ذو الزي المميز، يقدم ماء زمزم بعد تبخير الدوارق الفخارية بـ«المستكة»، ويملأها من الأزيار، ويقدم الزمزم في «الطاسة»، ولكل واحد منهم منطقته المحددة داخل الحرم، ويوزع الدوارق على الحنابل الموجودة بـ«الحصاوي» المخصصة له، وعلى الدوارق «نيشـان» خاص، يصعب مسحه، أو فقده، ورحم الله من كتب في الدور من الفن الينبعاوي القائل: «آيا زمزم مويتك عنبر.. ونورك على الحرم نور».