والمرجح أن شكله وتنغيمه كانا أقرب إلى «الخطاب المرتل» منهما إلى الإلقاء أو التعبير الدرامي. ولا بد أن هذا الشكل كان يتحكم في اختيار الموضوعات والمواقف التي تعدّ أكثر شاعرية من غيرها. والمهم في النهاية أن شاعرية النصوص - حتى في الترجمات التقريبية التي لجأ إليها أمثالنا من غير المختصين! - تتجلى في حالات يمكن أن توصف بالشاعرية: كالوصف الرائع لصراع مردوخ مع تعامة في ملحمة الخلق)، والأحداث التي أدت إلى الطوفان الذي قضى على البشر والأحياء باستثناء «أوتونا بشتيم» وصحبه في الفلك (سواء في قصة الطوفان كما وردت في اللوح الحادي عشر من جلجاميش أو في ملحمة أتراحاسيس) وبعض القصص البديعة مثل قصتي أدابا وإيتانا اللتين سيأتي الحديث عنهما، وقصة نرجال إله العالم السفلي وزوجته أريشكيجال وغيرها من القصص الزاخرة بالوصف والتعبير الشاعري الذي كان خليقا بأن يخلب ألباب المستمعين ويحقق لهم المسرة والمتعة الجمالية (على الرغم من قصورهما الواضح عن وصف تفاصيل الواقع الحي ومفردات البيئة التي تدور فيها الأحداث الأسطورية).
أما عن القسم الثاني من النصوص التي نعتناها من قبل بأنها شاعرية بصورة غير مباشرة، فتدخل فيه النقوش الملكية التي وصلتنا من بابل وآشور، بقدر ما تبتعد عن التقرير الرسمي، وتجنح للأسلوب الشاعري في وصف البيئة وبطولات الملوك وتدخل الآلهة في المعارك الحربية وصفا يتسم بالحيوية والتعبير ويتفوق في بعض الأحيان على النصوص الشعرية المنظومة مثل وصف الملوك الآشوريين التالين: سينحاريب (704 - 681 ق.م) لمعركة هالوله بينه وبين العيلاميين، وسرجون الثاني (721 - 705 ق.م) لحملته في جبال أرمينيا وغاباتها، وأسير حدون (680 - 669 ق.م) لرحلاته الرائعة في الصحاري العربية، وآشور بانيبال (668 - 627) ق. م في حملاته لتأديب بعض قبائل البدو وكلها تؤكد أن النثر الذي كتبت به هذه النقوش التاريخية يمكن بتوهجه وصوره الحية أن يتفوق على كثير من الشعر البابلي والآشوري المعاصر له، وهي الحقيقة التي نعرفها اليوم أكثر من أي وقت.
هذا الإبداع الأدبي بشعره ونثره يثير التساؤل عن دين البابليين والآشوريين نحو التراث السومري الذي أخذوا عنه معظم موضوعاته ونماذجه وأساليبه الأدبية والفنية، وأقاموا على أساسها أدبا كلاسيكيا بكل ما تحمله هذه الكلمة الأخيرة من نضج ونضارة. ويكفي أن نطلع على أعظم آثار الأدب الأكدي وأكثرها تفردا، ملحمة جلجاميش، لنقتنع بأهمية هذا الإنجاز الأدبي (الذي تنسبه بعض الفهارس القديمة لشخص يدعى «سين - ليكي ـ أونين» لم يرد ذكره في أي مصدر آخر) ويكفي في هذا السياق أن نتحدث باختصار شديد عن هذا العمل وهو الخالد بقدر ما يمت بصلة للحكمة البابلية.
أول ما نلاحظه على «جلجاميش» أنها تشبه من بعض الوجوه «الرواية التربوية» التي تتبع سيرة البطل وتقلبات حياته وتجاربه التي تؤدي به إلى معرفة النفس والتسليم بالمصير الذي يخضع له سائر البشر. ويلح مؤلف النسخة الأخيرة - أو مؤلفوها - على معنى الخلود الذي راح البطل «المأساوي» يبحث عنه ويطمح إلى تحقيقه من وراء مغامراته المختلفة. ويتضح من قراءة الملحمة أنه لم يلتمسه في الذرية والأبناء - كما يعتقد الناس في الشرق عموما ـ ولا في المنشآت والمباني الضخمة التي سخّر شعبه لتشييد صروحها ـ كالسور الهائل المحيط بمدينة أوروك ومعبد إيانا - إذ يزهد في النهاية في هذا الخلود بحيث لا يبقى له منه إلا «المجد» والذكر الطيب الذي هو عمر ثان للإنسان كما عبر «شوقي» في رثائه لمصطفى كامل. ويتمثل الأمل في هذا النوع من الخلود في وصف العالم الآخر كما يصوره اللوح الثاني عشر المضاف إلى الملحمة، حيث يصبح جلجاميش قاضيا حكيما يوجه النصح لأرواح الموتى ويحكم بين أشباحهم، على نحو ما يحكم رب الشمس أوتو - شمش بين الأحياء.
والأمر الثاني الجدير بالملاحظة أن المؤلف يشير إلى حكمة جلجاميش التي اقتنع بها أو استسلم لها بعد أسفاره الكثيرة ومغامراته الخطيرة! عندما يذكر أنه نقش حصاد تجاربه على مسلّة حجرية، مما يفهم منه أن الملحمة نفسها ربما كانت هي هذا النقش نفسه الذي ينقله إلى القارئ أو السامع. وسواء أكانت الإهابة بالنقش مجرد حيلة أدبية أم لم تكن) وكأنها تذكرنا بزعم بعض كتاب الرواية الحديثة أنهم ينشرون أوراق البطل ومذكراته أو يثبتون روايات شهود العيان فإن دلالتها واضحة على ضرورة تخليد الحكمة في ذاكرة الأجيال عن طريق نقش حجري ينجو من بطش الفناء.
1986*
* كاتب ومترجم مصري «1930 - 2012»