رغم أنني طرقت مجال الكتابة والتأليف منذ وقت مبكر وبالذات كتابة المذكرات والسير الذاتية [الأوتوبيوغرافيا] وأدب الاعتراف فإنني توقفت طويلًا عند سيرة الشيخ إبراهيم بن محمد بن معمر [1878-1958م]، التي سوف تصدر في مؤلف عن قريب.

فالرجل شخصية سياسية مفكرة وفعالة سطع نجمه السياسي والفكري –على مدى ثلاثة عقود– وذلك بعد أن حاز على ثقة الملك عبدالعزيز وسرعان ما علا شأنه وأظهر براعة فائقة ودهاء وحصافة سياسية وفكرًا نيرًا وأصبح النموذج للشخصية السياسية المفكرة والمتطورة والمستنيرة.

فعندما نسبر أغوار هذه الشخصية الفذة ونقف على خواصها الذهنية نجد أنها شخصية وطنية وظف إمكاناته في سبيل وطنه وسار على نمط في الحياة في الحنكة والإخلاص والبسالة والشجاعة والتضحية على نحو مختلف عن الآخرين مكنته من أن يحظى بثقة الملك عبدالعزيز ويحتل مكانة رفيعة ومنزلة عالية لديه ليصطفيه ليكون أحد المقربين منه عندما بدأ مجهوده الجبار توحيد أجزاء من الجزيرة العربية تحت قيادة سياسية واحدة.

فشخصية الشيخ إبراهيم بن محمد بن معمر تتميز بالتنوع الثقافي والفكري والسياسي والعسكري والدبلوماسي والاقتصادي والاستراتيجي، الذي ربما لا يشبهه أحد في هذا التنوع عند ذلك كان أحد الشخصيات المهمة التي اختارها الملك عبدالعزيز أثناء مرحلة التأسيس.

فقد كان اختيار الشيخ إبراهيم بن معمر في ذلك الوقت قرارًا حصيفًا كانت له نتائجه المؤثرة والفعالة وهذا يعود إلى فطنة وذكاء وحصافة وبعد نظر الملك عبدالعزيز في اختياره لمعاونيه.

وفي هذا يقول الأمير طلال بن عبدالعزيز مؤلف كتاب «صور من حياة عبدالعزيز» في معرض حديثه عن شخصية الملك عبدالعزيز «فالعبقرية الفردية مهما أوتيت من مواهب وطاقات فإنها لا تستطيع أن تنهض في كل ميدان من ميادين الحياة بمعزل عن العمل الجماعي».

ولقد كان هناك رجال عظماء وقفوا إلى جانب الملك عبدالعزيز منذ طلعته من الكويت عام 1319هـ إلى أن توفاه الله، وتحملوا بدافع إيمانهم العميق أعباء باهظة من أجل أهداف أمتهم ومثلها) فقد كان الشيخ إبراهيم بن معمر أحد الرجال الذين كانوا مع الملك عبدالعزيز أثناء وجوده في الكويت، وكان على علاقة وثيقة به وقد رافقه في كل مراحل ومحطات التأسيس.

فعندما نقوم بتحليل منطقي للعلاقة الثنائية الفريدة التي جمعت الشيخ إبراهيم بن محمد بن معمر بالملك عبدالعزيز نجد أن الحس الوطني كان يقف وراء تلك العلاقة التاريخية، التي تستهدف المصلحة الوطنية.

فالملك عبدالعزيز شخصية تتميز بصدق الإيمان ووضوح الهدف، وقوة العزيمة والوعي الكامل بمعطيات الواقع.

وكان الشيخ إبراهيم بن معمر طيلة حياته أمينًا ومخلصًا للملك عبدالعزيز، يحاول أن يقدم ما لديه بصدق وأمانة، فقد كان يتحرك في عدة جهات وجبهات وكان يتمتع بقدرات ومواهب وخصائص متفردة وكان سياسياً محنكاً وأحد العقول المفكرة، أحدث نقلة نوعية أثناء مرحلة التأسيس فقد تعامل مع التحديات الكبيرة بثبات وبسالة وحنكة، وقد ظهرت قوته في أحرج المواقف وأدق الظروف.

وكان محوريًا في أدواره بصفته مفكرًا وسياسيًا ودبلوماسيًا واستراتيجيًا، تكمن قوته في المواقف الحاسمة، يجمع ما بين الذكاء والوطنية والشجاعة وينطبق عليه المثل الذي يتردد في ولاية تكساس في الولايات المتحدة الأمريكية «لا يقاس الأمر بحجم المعركة التي يخوضها المحارب بل بحجم المحارب الذي يخوض المعركة».