في يناير الماضي، انتشرت شائعات حول استهداف الرئيس في دمشق، ترافقت مع صور مزيفة باستخدام أدوات الذكاء الاصطناعي، ما أثار موجة من القلق والخوف قبل أن تصدر وزارة الداخلية بياناً تنفي فيه الخبر . هذا المثال يوضح كيف يمكن للشائعة أن تنتشر بسرعة وتثير الذعر، خصوصاً عند استهداف شخصية بارزة أو حدث حسّاس، ويظهر الفرق بين الشائعة الناتجة عن نقص الشفافية والشائعة التي يصنعها خصوم الحكم الجديد.
السبب الجوهري لانتشار الشائعات هو فجوة اليقين، فحين تتأخر المعلومات الرسمية أو تأتي مقتضبة وملتبسة، ينشأ فراغ معرفي يسارع الناس إلى ملئه بالتكهنات، وتؤكد منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة (يونسكو) أن التضليل الرقمي يمكن أن تكون له عواقب خطيرة في أوقات الأزمات، وأن مواجهة هذا التضليل تحتاج إلى وسائل تعزز الشفافية ومهارات التحقق لدى الجمهور دون المساس بحرية التعبير.
وبالتالي فإن نقص المعلومات الدقيقة والشفافة، خصوصاً في بيئة متوترة مثل سوريا، يخلق بيئة خصبة لانتشار الشائعات، سواء أكانت عفوية أم منظمة.
العامل النفسي يزيد التعقيد، فمجتمع أنهكته الحرب والنزوح والأزمات الاقتصادية يعيش حالة قلق مزمن، والقلق يجعل الأفراد أكثر استعداداً لتصديق الأخبار السلبية؛ لأنها تنسجم مع شعور داخلي بعدم الاستقرار. الاستقطاب السياسي والاجتماعي يحول الشائعة إلى أداة تعبئة، حيث يميل كل طرف إلى تصديق ما يعزز روايته ورفض ما يناقضها. وتأتي المنصات الرقمية لتضاعف التأثير، إذ تكافئ خوارزمياتها المحتوى الانفعالي والسريع، فينتشر الخبر غير المؤكد أسرع بكثير من الخبر الرسمي.
ولا يمكن فهم الظاهرة بمعزل عن البعد الخارجي والمنظم، فبعد فشل محاولات إسقاط الحكم الجديد عبر أدوات مباشرة أو ضغوط سياسية، اتجه بعض أعداء سوريا إلى الاستثمار في ساحة المعلومات. وتتحول الشائعة هنا إلى أداة حرب ناعمة تستهدف الثقة والمعنويات، ففي زمن الصراعات لم تعد مجرد خبر كاذب عابر، بل جزءاً مما يُعرف بالحرب الإدراكية، حيث يُستهدف وعي المجتمع وثقته بالمؤسسات قبل استهداف الأرض أو الحدود، وزعزعة الثقة قد تكون أحياناً أكثر فاعلية من أي ضغط عسكري أو اقتصادي، لأنها تضرب الأساس النفسي للاستقرار.
تضخيم حادثة محدودة وتحويلها إلى مؤشر انهيار شامل، تسريب وثائق مجتزأة، وإطلاق أخبار عن انقسامات داخلية أو أزمات وشيكة كلها أدوات تهدف إلى إرباك الداخل وزرع الشك في أي مسار استقرار. كما أن شبكات مرتبطة ببقايا النظام السابق، ممن تضررت مصالحهم، تمتلك خبرة في الحرب النفسية وصناعة السرديات، وتستثمر الحسابات الوهمية والمنصات الموجهة لإعادة إنتاج خطاب الفوضى والتخويف.
لكن من الضروري التفريق بين نوعين من الشائعات: الأولى منظمة ومقصودة من أعداء الداخل والخارج، والأخرى تنشأ بصورة عادية نتيجة غياب الشفافية أو بطء التواصل الرسمي، فتخرج معلومة ناقصة أو قراءة خاطئة لحدث روتيني ثم تتضخم بفعل التداول غير المنضبط. التعامل مع النوع الأول يحتاج رصداً وتحليلاً دقيقاً وعقوبات عند الضرورة، بينما النوع الآخر يُعالَج بسرعة المعلومات والشفافية.
من هنا تبرز الحاجة إلى منصة حكومية متخصصة لمكافحة الشائعات، تكون مركزاً وطنياً للرصد والتحقق، يعتمد أدوات تحليل البيانات لرصد ما يتصدر النقاش العام، ويوفر خطاً ساخناً للبلاغات، ويتحرك بسرعة للتواصل مع الجهات المعنية وإصدار توضيحات مدعومة بالأدلة خلال ساعات.
وأثبتت التجارب الدولية أن مواجهة الشائعات تتطلب إستراتيجية متكاملة بين التقنية والمجتمع والشفافية، إذ طورت بعض الدول الغربية والعربية منصات رسمية للتحقق من الأخبار وتلقي البلاغات، ما أسهم في الحد من انتشار التضليل وتعزيز الثقة بالمصادر الرسمية.
وللقارئ العادي دور محوري، فكل شخص يمكن أن يتحقق قبل إعادة نشر أي خبر، بالبحث عن المصدر الرسمي، ومراجعة الجهات المستقلة للتحقق، والتريث قبل إعادة النشر والتداول، لتقليل تأثير الشائعات في المجتمع المحلي.
الشائعة في سوريا ليست مجرد مشكلة إعلامية، بل ساحة صراع بين الاستقرار والفوضى. أعداء الداخل والخارج قد يستثمرون فيها حين تعجز الأدوات الأخرى، لكن مناعة المجتمع تبدأ من الداخل: شفافية أسرع، خطاب أهدأ، ومؤسسات تحقق محترفة.
ففي زمن تتسارع فيه الأخبار، قد تكون إدارة الحقيقة نفسها أحد أعمدة حماية الدولة والمجتمع، وحين تصبح الحقيقة متاحة بوضوح، تتراجع قدرة أي جهة على توظيف الخوف، ويصبح المواطن شريكاً في حماية وطنه عبر التحقق ومشاركة الأخبار الحقيقية، وبذلك يسهم كل مواطن في مناعة وطنه ضد الشائعات ومن يقف وراءها.