فالتفكير الصحيح مثل السير في الطريق تمامًا. فالرجل الأعرج الذي يمشي ببطء إذا سار على طريق مبلط ومستقيم يكون أسرع من ذلك العداء البطل الذي يختار طريقًا وعرًا منحرفًا مليئًا بالصخور، ويصل إلى الهدف أسرع من الثاني، وهذا البطل العداء مهما ركض سريعًا فلا يصل إلى الهدف، بينما يصل إلى الهدف ذلك الرجل الأعرج الذي اختار طريقًا مستقيما ومبلطًا.
إن مسألة اختيار المنهج الصحيح لكل الاختصاصات العلمية سواء الأدبية أو الاجتماعية، أو الفنية والسيكولوجية.. أو غيرها هي أول مسألة يجب أن تطرح وتناقش. وعلى هذا الأساس فإن أول مهمة للباحث هو انتخاب أفضل منهج من مناهج البحث العلمية. ويجب علينا أن نستفيد من هذه التجربة التاريخية الكبيرة، وباعتبارنا من أتباع دين عظيم فعلينا أن ندرك مسؤوليتنا ونعي، واجبنا، فالإسلام الذي هو ديننا يجب أن نعرفه بشكل صحيح وبطريقة منهجية.
وإننا اليوم لا نتمكن أن نقدس شيئًا لا نعرفه أو نتعبد بعقيدة لا نعرفها، وبالخصوص تلك الطبقات المثقفة فإن مسؤوليتها في معرفة مقدساتها أعظم، وهذه ليست واجبًا إسلاميًا فقط، بل هو واجب علمي وإنساني أيضًا. فقيمة كل إنسان بمقدار معرفته وفهمه لمعتقداته لأن الاعتقاد وحده ليس فخرًا، وإذا كنا نعتقد بشيء لا نعرفه جيدًا فلا قيمة في ذلك، بل القيمة تكمن في المعرفة والفهم الدقيق لما نعتقده. ولأننا نعتقد بالإسلام فلا بد أن نعرفه جيدًا ولمعرفة الإسلام بشكل صحيح، لا بد أن نختار المنهج الصحيح.
المنهج الصحيح لمعرفة الإسلام.
والآن هنا سؤال يطرح نفسه: ما هو المنهج الصحيح لمعرفة الإسلام؟ فلمعرفة الحقائق الإسلامية ليس علينا أن نأخذ منهجًا من المناهج الأوروبية مثل المنهج الطبيعي أو المنهج السيكولوجي، أو المنهج الاجتماعي، ونقلد تلك المناهج وإنما علينا أن نختار منهجًا جديدًا نبتكره، وطبعًا فإن المناهج العلمية لأوروبا يجب أن تعرفها ولكن لا يجب حتما أن نقلدها. فاليوم كل المناهج العلمية في كل المجالات التخصصية قد تغيرت، وحلت مكانها نظرة جديدة، فالتحقيقات الدينية أيضًا يجب أن تسلك طريقة جديدة وتتبع منهجًا حديثًا.
من البديهي أنه لا توجد لمعرفة الإسلام طريقة واحدة فقط لأن الإسلام ليس دينًا ذا بعد واحد فليس الإسلام مثلًا دينًا مبنيًا على العرفان والأحاسيس الروحية فقط أو قائمًا على علاقة الإنسان بربه، فحسب بل إن هذا جانب واحد من جوانب الإسلام الواسعة. ولمعرفة هذا الجانب من الإسلام يجب أن نعتمد المنهج الفلسفي، لأن قضية العلاقة بين الإنسان وربه أي مسألة الإيمان بالغيب وبما وراء الطبيعة تطرح في باب الفلسفة أي في باب التفكير الحر فيما وراء العلم. والجانب الثاني من جوانب الدين الإسلامي، هو جانب الحياة الإنسانية وطريقة المعيشة على الأرض ولمعرفة هذا الجانب يجب اعتماد المناهج المطروحة في العلوم الإنسانية.
1973*
* كاتب وباحث إيراني «1933 - 1977»