لكن الذى حدث هو أن أضواء المسرح وقضاياه شغلت الأستاذ الكبير، فتتابعت أعماله: «الكوميديا المرتجلة في المسرح المصرى - 1968، وفنون الكوميديا من خيال الظل إلى نجيب الريحاني - 1971، ومسرح الدم والدموع - 1973»، بالإضافة لكتابه عن توفيق الحكيم «فنان الفرجة وفنان الفكر - 1969».
وتوج الدكتور علي جهاده في ميدان المسرح بكتابه الكبير والشامل «المسرح في الوطن العربي - 1982»، وفيه واجه التحدى القوى الفاتن، المتمثل في رسم صورة شاملة لواقع المسرح العربي المعاصر، والحقيقة أنه قد بذل جهدا هائلا في جمع مادته، والعكوف على تحليلها، فالتجزئة واقع قائم، تعمل الممارسات السياسية اليومية على تأكيده وتعميق أشكاله، ولعل هذا ما كان يعليه بقوله في تقديم كتابه: «من يقرأ هذا الكتاب سيجد نفسه دائما بين أهله، أينما انتقل المؤشر من الخليج إلى المحيط: الهموم نفسا، الآلام بعينها، الآمال ودواعي الاستبشار هي هي في كل قطر عربي».
واقع التجزئة هذا نفسه فرض على الباحث مادته وطريقة تناولها معا، وهو يقول بوضوح لا لبس فيه: «لم أتردد في أن أثبت ما وصلني من معلومات الغير عن مسارح عربية لم يتح لي أن أتعرف على إنتاجها تعرفا مباشرا، مؤثرا في هذا أن أكون ناقلا عن أن أكون متجاهلا، والهدف العام لهذا الكتاب هو التعريف بالمسرح في الوطن العربي. وقد سلكت كل السبل المتاحة كي يكون هذا التعريف أوسع وأشمل ما تسمح به الظروف، موقنا - مع هذا - من أن جهدا أكبر لا بد بيذل في المستقبل، كي يكون هذا التعريف كاملا».
وبعد أكثر من عشر سنوات، يقدم لنا الدكتور علي الراعي كتابه التوأم «الرواية في الوطن العربي»، وأقول إنه توأم، لأن الهدف منه هو الهدف نفسه.
في تقديمه يكتب: «المجد للرواية العربية. لقد جعلها أفضل المبدعين فيها لسان حال الأمة، وديوانا جديدا للعرب، ومستودعا لآلام وآمال أمتنا العظيمة مقطعة الأوصال. لا تزال شعوب هذه الأمة ترنو إلى التوحد من جديد. لا تزال تناضل الحدود الزائفة ومؤمرات الأجنبي. لا تزال تستهزئ بالحواجز والكوارث وأسلحة البغي التي تحاول جاهدة الهيمنة على الشعوب».
بعبارة أخرى، يهدف الكاتب من كتابه أن يكون إسهاما في النضال ضد الواقع الذي يفرض التجزئة ويكرسها، وهو يسعى لتحقيق هدفه برسم تلك الجدارية الهائلة، الرواية العربية، عبر تناول أكثر من ثمانين عملا لكتاب من مصر والمشرق والمغرب والسودان والخليج. هو التقسيم الجغرافي نفسه بكل ما ينطوي عليه من خير وشر الذي سبق أن اعتمده في كتابه عن المسرح، وإن كنا نلمس داخل هذا التقسيم رغبة في أن تشمل الأعمال موضوع المناقشة - في هذا البلد أو ذاك - أكثر من جيل من أجيال المبدعين، وأن تفسح للمبدعات مكانا إلى جوار المبدعين.
وإنني أشهد بالجهد الهائل الذي بذله الدكتور علي الراعي في جمع مادته لأكثر من عشر سنوات. وحتى كتب فيه الكلمة الأخيرة (مارس 1991)، لم يكن له هم سوى هذا العمل، يبحث وينقب ويقرأ ويوازن ويختار، يدفعه حرصه على تمثيل «كل» البلاد العربية (لم يفلت منه سوى قطر والإمارات وموريتانيا) ومزيد من السعي والتقصي.
هل هي المصادفة التي جعلت الرواية المصرية تشغل من الكتاب المساحة نفسها التي شغلها المسرح المصرى في التوأم الآخر؟ (شغلت الرواية المصرية 184 صفحة من مجموع 192، وسبق للمسرح المصري أن شغل 155 صفحة من مجموع 558).
على أي حال، إن الكاتب يهدی کتابه كله لنجيب محفوظ «الذي فتح الأبواب أمام الرواية العربية». وعلى الرغم من أن إهداء الأعمال يبقى، دائما، ذا طابع ذاتي، فإنه هنا يكتسب دلالة موضوعية تماما. ففي الحقيقة، يصعب تماما تصور قيام الرواية العربية ثم ازدهارها دون إصرار ودأب وكدح هذا الراهب العظيم في محرابها.
1992*
* كاتب وناقد مصري «1938 - 2010»