هكذا نقرأ قصة التوحيد، إنها الرحلة الطويلة نحو تقليص كل المسافات.
بدأت بالمسافات بين الأمكنة، فأصبحت المدن والقرى والأقاليم جزءًا من خارطة سياسية واحدة تحمل اسم المملكة العربية السعودية، ثم امتدت إلى المسافة بين الجماعات والانتماءات. لم تختف القبيلة ولا الطائفة ولم تفقد المناطق والفئات خصائصها وذاكرتها، وإنما نشأت فوق هذه الكيانات مظلة أكبر قادرة على استيعابها جميعا.
كنا نجد والحجاز وعسير والأحساء وحائل. وأصبحنا السعودية.
هنا تكمن أعمق دلالات اليوم الوطني السعودي. فهو ذكرى ذلك اليوم ، حيث حدثت إحدى أكبر تحولات التاريخ.
المملكة العربية السعودية، هذا الاسم كان إعلانا عن هوية سياسية واجتماعية جديدة وموحدة تمضي بالأمة نحو مصير واحد.
ربما هو الإنجاز الأصعب في تاريخ الدول، أن تتحول (نحن) من معنى صغير إلى معنى أكبر، أن يشعر الإنسان في أي مكان أن الآخر البعيد عنه مناطقيا وفكريا واجتماعيا، أصبح شريكا له في الوطن والمستقبل.
واللافت أن هذا كله سبق إنتاج النفط في السعودية. وهذه المسافة الزمنية بين إعلان الدولة ووجود النفط تحمل دلالة كبيرة.
فالدولة السعودية لم تجمعها الثروة، بل الهوية الوطنية والحكمة السياسية. ثم جاء النفط وتعددت الموارد في البلاد التي انتظم إيقاعها واختارت موقعها، ولهذا تحول النفط مباشرة إلى مدن ومؤسسات وخدمات.
التنمية في السعودية جاءت كمرحلة ثانية تأسست على مشروع التوحيد، أو لنقل إنها المرحلة الثانية من عملية تقليص المسافات. ما عادت المسألة تقف عند وصل أطراف الجغرافيا ببعضها، لكنها شملت تقريب الخدمات والطرق والفرص للإنسان أينما كان. فأصبح أهم مقاييس النجاح لدى السعوديين هو اتساع مساحة ما يمكن أن يحلموا به ويحققوه جيلا بعد آخر.
كيف نجمع هذه الجغرافيا المتباعدة في دولة؟ وكيف نبني مؤسساتها وأنظمتها؟ كانت هذه هي الأسئلة التي واجهت جيل التأسيس. لكننا اليوم نواجه سؤالا ينتمي إلى أفق آخر: كيف نصل بهذه الدولة إلى أبعد مدى سياسي واقتصادي وثقافي وإنساني؟
وجاءت رؤية السعودية 2030 لتجيب عن هذا السؤال تحديدا، فتحولات الرؤية يجب أن تفهم داخل هذا السياق التاريخي. لتكون الرؤية مرحلة جديدة في رحلة تقليص المسافات وهذه المرة بين الواقع والممكن. أي بين حضور وتأثير إقليمي إلى حضور عالمي واقتصاد متنوع.
من هنا يكون الاحتفاء باليوم الوطني السعودي مناسبة لفهم السعودية، الدولة التي لا تختار مما هو متوفر، بل تصنع الخيارات التي تناسبها ثم تحول التاريخ إلى شاهد عيان.