تبدو هذه المصادفة الزمنية جديرة بالتأمل في مناسبة وطنية نستعيد فيها قصة تأسيس الدولة وتوحيدها، لأن الأمن في التجربة السعودية ركيزة أساسية ارتبط منذ بداياتها بفكرة بناء الدولة نفسها، وبقدرتها على جمع الجغرافيا تحت سلطة واحدة، وتأمين الطرق، وتنظيم شؤون المجتمع، وفتح المجال أمام مؤسسات تتوسع مع الزمن وتنقل الإنسان من الانشغال بسلامة يومه إلى القدرة على التخطيط لغده، ولهذا جاءت فكرة مؤتمر الأمن والتاريخ منطقية في استعادتها لمسار يمتد عبر ثلاثة قرون، وفي قراءتها للأمن كأساس قوي للاستقرار وبناء المؤسسات وتنمية المجتمع واستمرار المنجز الوطني.
نحن نعتاد النعم الكبرى حتى تتحول إلى تفاصيل صامتة في حياتنا، ويأتي الأمن في مقدمتها، فنعتاد أن نقرأ تطور المدن من خلال ما أضيف إلى عمرانها وخدماتها، وأن نقيس حيوية الاقتصاد بما يتيحه من فرص واتساع في مجالات العمل والاستثمار، ونرى أثر التعليم في انتشار مؤسساته وقدرته على الوصول إلى شرائح أوسع من المجتمع، ونلمس حضور الثقافة في اتساع مساحتها داخل الحياة العامة، كما نقيس جودة الحياة بما أصبح متاحا للإنسان من خيارات وتجارب وفرص تعيد تشكيل علاقته بمدينته ووقته ومستقبله، بينما تكشف أوقات الاضطراب المعنى الأعمق لهذه الصورة، لأن كل ما نراه من نمو لم يكن ليتحقق لو لم تتوفر له قاعدة ثابتة من الأمان تحمي تراكمه وتسمح له بالاستمرار، وكل مشروع يمتد سنوات إلى الأمام انطلق من شعور مطلق بالأمن يفترض أن المستقبل يمكن التخطيط له وأن الدولة قادرة على حماية هذا التخطيط.
من هنا يبدو الربط بين «الأمن والنماء» أوسع من كونه شعارا لمؤتمر، يظهر كواقع نعيشه في كل مدينة توسعت، وكل طريق امتد، وكل جامعة فتحت أبوابها، وكل استثمار وجد بيئة تسمح له بالمخاطرة المحسوبة، وكل تحول اجتماعي وثقافي احتاج إلى مؤسسات مستقرة تديره وتتيح له الوقت حتى ينضج، وفي المقابل تعود ثمار التنمية لتزيد قدرة الدولة على بناء مؤسسات أكثر كفاءة، واقتصاد أكثر تنوعا وتقنيات أكثر تقدما، ومجتمع أكثر وعيا بما يحفظ مكتسباته، فتغدو العلاقة بين الأمن والتنمية دورة متصلة يعمل كل طرف فيها على تقوية الآخر.
يزداد هذا المعنى وضوحا ونحن في عام تتحرك فيه المنطقة على إيقاع شديد الحساسية، فقد شهدت الأيام الأخيرة هجمات استهدفت مواقع داخل المملكة، ثم جاء الاعتداء الأخطر في دلالته بمحاولة استهداف مكة المكرمة بطائرة مسيرة أطلقتها ميليشيات الحوثي الإرهابية في انتهاك بالغ الخطورة لسيادة المملكة وحرمة أقدس بقاع المسلمين، وتهديد يمس أمن الحرمين وقاصديهما ويضع هذا التصعيد في مساحة تتجاوز الحسابات السياسية والعسكرية المعتادة إلى حرمة مكان يجتمع المسلمون على قداسته ويعيد التذكير بحجم المسؤولية التي تضطلع بها المملكة في حماية أرضها ومقدساتها وأمن من يعيش فيها ويقصدها.
وسط هذه الفوضى الإقليمية تستمر الحياة داخل المملكة بإيقاعها المعتاد، نذهب إلى أعمالنا ونعيش تفاصيل أيامنا، وتفتح المدارس والجامعات أبوابها لأبنائنا، وتمضي المشروعات والفعاليات، ويخطط الناس لغدهم بشعور راسخ بالاستقرار والثقة بقيادتهم ومؤسسات دولتهم، حتى أصبح الأمن الذي صنعته المملكة عبر تاريخها الطويل يقينًا يوميًا نعيش داخله قبل أن نتوقف للتفكير في حجمه. ومع اقتراب الخطر ندرك هذه القيمة بصورة أوضح، ونتذكر أن وراء الطمأنينة التي نبني فوقها أحلامنا وخططنا دولة قوية تدير الأزمات بحنكة وتحمي حدودها وأرضها، ورجال في القوات المسلحة والدفاع الجوي والأجهزة الأمنية يقفون في مواقع الحماية برباطة جأش، فيما يتحمل المجتمع مسؤوليته بالوعي والتمييز بين الخبر والشائعة والحفاظ على تماسكه. وربما يكفي أن يضيء تحذير أمني شاشة الهاتف لدقائق حتى يقطع اعتيادنا لهذه الطمأنينة ويذكرنا بأن وراء يومنا الطبيعي رجالًا يقفون بين الوطن والخطر.
يأتي شعار «عزنا بطبعنا» معبرًا عن لحظة تكشف فيها الظروف معنى الوعي والثقة والتماسك، فحين نحتفي في الثالث والعشرين من سبتمبر بذكرى توحيد المملكة، نستعيد معها قيمة وطن صنع أمنه عبر تاريخ طويل، وحوّل استقراره إلى قاعدة للبناء والنماء، ولا يزال يحمي حق أبنائه في أن يعيشوا يومهم مطمئنين وينظروا إلى غدهم بثقة.