الرسالة القاسية التي تلقّاها ترمب هي أن الناخبين كتبوا باكرًا نهايةً أخرى لرئاسته وإرثه السياسي، كما لنهجه المتقلّب وألاعيبه الكلامية وتصريحاته المتعالية التي نصحه مستشاروه بالتخفيف منها، وكذلك لاحتمالات تأثيره في بلدان تعوّل على صعود اليمين المتطرّف. ومهما بذل ترمب من جهد فإن تحسين صورته لدى الأمريكيين سيتطلّب منه أكثر من الاعتماد على شخصه ومقاولاته.
أما الرسالة الأخرى الواضحة فتلقاها ترمب قبل أسبوع، من الانتخابات الإسرائيلية، ومفادها أن التحالف مع إسرائيل يختلف عن التحالف مع نتنياهو.
كان ترمب تجاوز كل القواعد ليؤيّد شريكه في الحرب على إيران، ولم يكن لهذا التأييد سوى أثر محدود في نتائج الاقتراع، على الرغم من أن إسرائيل بدت في الانتخابات كأنها «نظام الحزب (الصهيوني اليميني) الواحد»، مع استثناء الأحزاب العربية. ومهما جاهد نتنياهو من أجل بقائه السياسي فإن حمولاته الشخصية من طموحاتٍ وفسادٍ وخداعٍ للمؤسسات باتت تجعل منه شخصًا غير مرغوب فيه في الداخل والخارج.
قبل انتخابات إسرائيل قالت إيران إنها غير مهتمّة بمن يفوز فيها، ربما لأنها لم تعد ترى فارقًا بين نظامها و«الديموقراطية» الإسرائيلية، على عكس تعاملها مع الانتخابات الأمريكية. لم تخفِ طهران مراهنتها على خسارة ترمب، حتى أنه أشار إليها علنًا، لذلك كانت حفاوتها علنية أيضًا، وصوّرت لجمهور النظام أن أمريكا انقلبت على رئيسها نصرةً لإيران، بل إن بعضًا من إعلامها روّج بأنها أقامت «غرفة عمليات» ليوحي بأنها «تدخلت» لحرف هذه الانتخابات إلى مصلحتها. وإذ يشدّد غلاة الجمهوريين، في المقابل، على أن التيار اليساري في الحزب الديموقراطي الذي صنع الزلزال الانتخابي يضمّ في صفوفه إسلاميين «إخوانيين» و«خمينيين»، فإن هذا التصنيف يشي بأنه تيار منبثق مباشرة من «بيئات» الضاحية الجنوبية لبيروت أو من أوكار صعدة في اليمن.
كسبت إيران رهانها لكنها لا تزال مضطرّة للتنازل لإنهاء الحرب، لأن الخسارة التي مُني بها ترمب لا تغيّر معادلات السياسة الخارجية التي تحكم «الدولة العميقة» الأمريكية ويلتقي عندها التياران التقليديان في الحزبين الجمهوري والديموقراطي. فالحرب غدت موضوعًا خلافيًا حين طالت وكبرت كُلفُها وارتبكت إدارتها، وبعدما تسببت بارتفاع أسعار الوقود اعتبر الرأي العام أنها «لم تكن ضرورية». أما إيران نفسها فليست موضوعًا خلافيًا، بل إن هناك توافقًا على أنها ليست دولة طبيعية، فلا أيديولوجية نظامها السياسي تتوافق مع القوانين الدولية، ولا سلوكها الإقليمي يحترم حسن الجوار، ثم إنها تتمسّك بعناصر ثلاثة لبقاء نظامها: العداء الدائم مع أمريكا، استخدام التهديد ببرنامجها النووي لدعم نفوذها الإقليمي، والاعتماد على ميليشيات مذهبية لزعزعة استقرار الدول في محيطها العربي...
هذه كلّها عناصر يرفضها المجتمع الدولي، لكن دولًا كبرى تتلاعب بها في منافساتها ووفقًا لمصالحها، كما فعلت خلال الشهور التسعة للحرب. ويبدو حاليًا أن التهدئة الصينية- الأمريكية والتقارب الروسي- الأمريكي قد يساعدان في إنهاء هذه الحرب، خصوصًا بعدما شكّلت الهزيمة الانتخابية لترمب نهاية مرحلة وبداية أخرى في أمريكا. ومع ذلك يبقى السباق محمومًا بين الحرب والدبلوماسية، فالوساطة المتكتمة التي يديرها الرئيس الروسي تبحث عن تسوية تُرضي ترمب كي يواصل ضغوطه على أوكرانيا. كما أن نائب الرئيس جي دي فانس المندفع إلى اتفاق عبر الوسطاء لا يستطيع قبول إنهاء الحرب بشروط إيران، وبالتالي فإن إخفاقه يعزّز موقف خصومه من أنصار استئناف الحرب.
كان اللافت في النقاط الأربع التي تبنّاها فانس «تغيير طبيعة العلاقة مع إسرائيل»، ما يضعه في مواجهة مبكرة مع اللوبي اليهودي (ايباك). استاء فانس من انجراف ترمب مع تحريض نتنياهو الذي حدّد للحرب أهدافًا لم تتحقق، فصار استياؤه غضبًا يعبّر به عن تيار «ماغا» الأكثر قربًا من الرئيس، ويريد فانس الحفاظ على تماسك هذا التيار لينال دعمه في معركته الرئاسية. المؤكد أن «تغيير طبيعة العلاقة» لن يعني فكّ التحالف مع إسرائيل أو عدم التزام أمنها وإنما إعادتها إلى وضعها كأداة إستراتيجية في خدمة الولايات المتحدة. فلا فانس ولا ماركو روبيو ولا أي مرشّح رئاسي ديموقراطي سيبلغ حدّ إدانة إسرائيل على ارتكابها إبادة جماعية في قطاع غزّة حتى لو كانوا مقتنعين ضمنيًا بأنها فعلت.
*ينشر بالتزامن مع موقع «النهار العربي»