من السهل أن نحسب تكلفة القرار الخاطئ، فمن يتخذ قرارًا غير موفق قد يتحمل تبعاته المالية أو الإدارية أو القانونية. أما القرار الذي لم يُتخذ، فمن يحسب تكلفته؟ ومن يتحمل مسؤولية الفرص التي ضاعت لأن أحدًا لم يرغب في الحسم؟

في المؤسسات، لا تأتي الخسائر دائمًا من قرارات سيئة. أحيانًا تأتي من قرارات صحيحة تأخرت حتى فقدت قيمتها. مشروع ينتظر اعتمادًا، ومبادرة تتنقل بين الإدارات، وموظف كفء تتعطل ترقيته، ومستثمر ينسحب بعد أشهر من الانتظار. في كل حالة توجد تكلفة حقيقية، حتى إن لم تظهر في التقارير المالية.

المشكلة أن الأنظمة الإدارية تجيد في الغالب توثيق ما حدث، لكنها أقل قدرة على قياس ما كان يمكن أن يحدث.


تستطيع المؤسسة معرفة المبلغ الذي أنفقته على مشروع متعثر، لكنها قد لا تعرف حجم العائد الذي خسرته نتيجة تأخر المشروع عامًا كاملًا. وتستطيع حصر القرارات التي صدرت خلال السنة، لكنها نادرًا ما تقيس الفرص التي انتهت صلاحيتها قبل أن تصل إلى صاحب الصلاحية.

في علم الاقتصاد، يُعرف هذا المفهوم بتكلفة الفرصة البديلة، أي قيمة أفضل خيار جرى التخلي عنه عند اختيار مسار آخر. ويمكن توسيع هذا المفهوم إداريًا ليشمل تكلفة الانتظار نفسه، خصوصًا حين يصبح التأجيل ممارسة متكررة لا تستند إلى مبررات موضوعية.

لعل أكثر ما يستحق التأمل أن بعض البيئات الإدارية تجعل عدم اتخاذ القرار أكثر أمانًا من اتخاذه. فالمسؤول الذي يوافق على مشروع قد يُسأل لاحقًا عن نتائجه، أما الذي يؤجل الموافقة فقد تمر الأشهر دون أن يُسأل عما ترتب على التأخير. وهنا ينشأ اختلال في توزيع المسؤولية؛ إذ تصبح المحاسبة مرتبطة بالفعل، بينما يظل الامتناع عن الفعل خارج نطاق التقييم.

لا يعني ذلك الدعوة إلى التسرع أو تجاوز الضوابط. فالقرارات التي تمس المال العام أو الحقوق أو السلامة تحتاج إلى دراسة وتحقق ومراجعة. لكن هناك فرقًا جوهريًا بين الوقت اللازم لتحسين القرار، والوقت الذي يضيع نتيجة تردد المسؤول أو غموض الصلاحيات أو تعدد مستويات الاعتماد دون قيمة مضافة.

قد يكون من المفيد أن تتبنى المؤسسات معيارًا جديدًا في تقييم كفاءتها، يقوم على قياس المدة بين اكتمال متطلبات القرار وصدوره، مع تحديد أسباب التأخير وآثاره. فإذا كانت المعاملة مكتملة، والمعلومات متاحة، والصلاحية محددة، فما المبرر لبقائها معلقة؟ وإذا تأخر القرار، فما التكلفة التي ترتبت على ذلك، ومن المسؤول عن معالجتها؟

سؤال لا يحتاج بالضرورة إلى أنظمة معقدة. يمكن البدء بمؤشرات بسيطة تشمل متوسط زمن اتخاذ القرارات، ونسبة المعاملات التي تجاوزت المدد المحددة، وعدد المشاريع التي تأخرت بسبب الاعتمادات الداخلية، وقيمة الفرص الاستثمارية أو التشغيلية التي تعثرت نتيجة الانتظار.

الأهم أن تتحول هذه المؤشرات إلى جزء من تقييم الأداء القيادي. فنجاح المسؤول ليس بعدد الاجتماعات التي عقدها، أو المراسلات التي أحالها، أو اللجان التي شكلها، وإنما بقدرته على تحويل المعلومات المتاحة إلى قرارات مسؤولة في الوقت المناسب.

المؤسسات التي تتقدم ليست بالضرورة تلك التي لا تخطئ، وإنما تلك التي تتعلم من أخطائها بسرعة، وتصحح مسارها قبل أن تتراكم الخسائر. أما المؤسسة التي تخشى اتخاذ القرار إلى درجة تعطيل مصالحها، فقد تتجنب خطأً محدودًا لتقع في خسارة أكبر يصعب رصدها.

في النهاية، الوقت مورد اقتصادي وإداري لا يقل أهمية عن المال. وإذا كنا نطالب بحماية الموارد العامة من الهدر، فمن المنطقي أن نعامل الوقت المؤسسي بالجدية ذاتها.

القرار الخاطئ يمكن مراجعته وتصحيحه، أما الفرصة التي انتهى وقتها، فقد لا تعود مهما بلغت جودة القرار الذي يصدر بعدها.

المؤسسات التي تتقدم ليست بالضرورة تلك التي لا تخطئ، وإنما تلك التي تتعلم من أخطائها بسرعة، وتصحح مسارها قبل أن تتراكم الخسائر.