كيف ينظر سمو الأمير محمد بن سلمان إلى المجتمع السعودي، وهل يراه واقعًا ينبغي تغييره، أم قوة يمكن أن تسهم في صناعة التغيير نفسه؟ هذا السؤال يفتح بابًا مهمًا لقراءة فكره، لأن التحولات الكبرى لا تكشف عن تصور قائدها من خلال ما يقرره من سياسات فحسب، وإنما تكشف عنه أيضًا من خلال فهمه للناس الذين يتوجه إليهم مشروعه، وطريقته في التعامل مع تاريخهم ومعتقداتهم ومؤسساتهم وعلاقاتهم الاجتماعية.

سبق أن تناولنا في مقال «الإبدال القيمي المطلوب في المجتمع السعودي اليوم» القيم التي تحتاج إلى مراجعة وإعادة ترتيب، أما حديثنا هنا فينصرف إلى مسألة مختلفة، هي موقع المجتمع في فكر الأمير، وكيف تتحدد علاقته بالتغيير، وما الذي تكشفه أقوال سمو الأمير ومواقفه عن تصور يجمع بين تطوير المجتمع والاستناد إلى مقوماته.

في حواره مع مجلة «ذي إيكونوميست» مطلع عام 2016، تحدث سمو الأمير عن الإصلاح بوصفه استجابة للاحتياجات السعودية، لا استنساخًا لنموذج خارجي، وأشار إلى أن القرارات الإصلاحية تسبقها ورش عمل يشارك فيها ممثلون لفئات متعددة، وهنا نجد ملمحًا مبكرًا يستحق التأمل، فالمجتمع لا يظهر في حديثه باعتباره متلقيًا للقرار وحده، بل حاضرًا كذلك في مراحل دراسته وصياغته، وإن بقيت مسؤولية اتخاذ القرار وتنفيذه من اختصاص مؤسسات الدولة.


وهذا التمييز مهم لفهم العلاقة بين القيادة والمجتمع، إذ لا يعني الإصغاء إلى المجتمع أن تتخلى الدولة عن مسؤوليتها في قيادة الإصلاح، كما لا يعني امتلاك الدولة سلطة القرار أن تستغني عن معرفة الناس واحتياجاتهم، ومن هذا المنظور يمكن قراءة الإصلاح بوصفه عملية تتصل فيها إرادة القيادة بمعرفة المجتمع وظروفه، دون أن تتطابق بالضرورة رؤاهما في كل مسألة.

وفي لقائه مع عبدالله المديفر سنة 2021، عاد سمو الأمير إلى سؤال المجتمع من مدخل الهوية، حينما تحدث عن قدرتها على مواجهة التنوع العالمي، وعن إمكان تطويرها وتنمية جوانبها الإيجابية، مستشهدًا باللباس والعادات والثقافة والموروث الإسلامي، وهي إجابة تكشف أن الانفتاح في تصوره لا يقوم على إلغاء الخصوصية السعودية، بل على الثقة بقدرتها على التطور والتفاعل مع العالم.

ولعل القيمة الفكرية لهذا الموقف تكمن في رفض التعارض الضروري بين الأصالة والتحديث، فالمجتمع لا يصبح أكثر تقدمًا لمجرد تخليه عن موروثه، ولا يكون أكثر وفاءً لموروثه حين يمتنع عن مراجعته، وإنما يتحدد نجاحه بقدرته على التمييز بين ما يشكل مصدر قوة في تجربته التاريخية وما يحتاج إلى تطوير ليستجيب لمتطلبات الحاضر والمستقبل.

ثم جاءت مقابلته مع مجلة «ذا أتلانتك» سنة 2022 لتقدم شاهدًا أكثر تحديدًا، حينما تحدث عن المكونات القبلية والحضرية السعودية وعلاقتها بالنظام السياسي، ورفض اعتبارها سببًا في إبطاء التغيير، بل وصفها بأنها من الأدوات التي تساعده على إحداث المزيد منه، وهذا التصريح بالغ الأهمية لأنه يكشف عن نظرة إلى البنى الاجتماعية الموروثة لا تختزلها في كونها عقبات أمام الإصلاح.

وليس معنى ذلك أن جميع الممارسات الاجتماعية الموروثة صالحة للاستمرار، أو أن كل بنية تقليدية تؤدي وظيفة إيجابية بالضرورة، وإنما نستخلص من كلام سمو الأمير أن التغيير لا يشترط هدم الروابط الاجتماعية القائمة، بل يمكن أن يستفيد من قدرتها على تحقيق الاستقرار وتيسير التحول، متى أحسن فهم وظائفها وتوجيه إمكاناتها.

وفي المقابلة نفسها، أكد سمو الأمير أن السعوديين يختارون التغييرات التي يثقون بها انطلاقًا من ثقافتهم ومعتقداتهم، وأقر في الوقت ذاته بأن المملكة لم تبلغ بعد المستوى الاجتماعي الذي تطمح إليه، وفي الجمع بين هذين الموقفين دلالة مهمة، إذ لا يجعل احترام المجتمع مبررًا للرضا عن واقعه، ولا يجعل الحاجة إلى الإصلاح سببًا للتنكر لخصوصيته.

ومن هنا يمكن استنباط تصور يقوم على ثلاثة مرتكزات مترابطة، المجتمع مصدر من مصادر القوة الوطنية، ومكوناته التاريخية يمكن أن تكون أدوات مساعدة على التغيير، وتطوره ينبغي أن يستجيب لاحتياجاته واختياراته الوطنية، وهذه المرتكزات ليست نظرية اجتماعية أعلنها الأمير بهذه الصياغة، وإنما خلاصة تحليلية نستخرجها من أقواله في مناسبات متباعدة، ونختبر اتساقها عبر الزمن.

وعندما ننظر إلى جهوده الإصلاحية في ضوء هذه الأقوال، فإننا نجد مشروعًا يتعامل مع المجتمع باعتباره مجالًا للتغيير ومصدرًا من مصادر القدرة عليه في الوقت نفسه، فالتوسع في الفرص الاقتصادية والاجتماعية، وإعادة تنظيم مجالات المشاركة، وتطوير المؤسسات والخدمات، كلها إجراءات تمس حياة الناس، غير أن دلالتها الفكرية لا تكتمل إلا بربطها بتصور سمو الأمير عن المجتمع الذي تتوجه إليه.

وهنا يظهر الفرق بين قراءة فكر سمو الأمير وشرح برامج رؤية السعودية 2030، فالرؤية تكشف جانبًا من الوسائل والأهداف، أما الأقوال والمواقف فتساعدنا على فهم المنطلقات التي تحكم اختيار تلك الوسائل، ولذلك لا يكفي أن نعدد منجزات التحول الاجتماعي، بل ينبغي أن نسأل عن الفكرة التي تنتظمها، وعن نظرة سمو الأمير إلى المجتمع الذي يعيش هذا التحول ويشارك في استدامته.

ولعل أبرز ما تكشفه هذه القراءة أن المجتمع في فكر سمو الأمير محمد بن سلمان ليس عائقًا ينبغي تجاوزه، ولا واقعًا مكتملًا ينبغي الإبقاء عليه كما هو، وإنما قوة وطنية تمتلك من التاريخ والهوية والروابط والقدرات ما يجعلها شريكًا ممكنًا في التغيير، ومن هنا فإن نجاح التحول لا يتوقف على قدرة الدولة على تطوير المجتمع وحدها، بل يتصل كذلك بقدرتها على استنهاض إمكاناته ليشارك في صناعة مستقبله.