كان من أمنيتي قديمًا أن تَنْصَب عناية دارسي تاريخ العرب قبل الإسلام، على المأثور من الشعر والأخبار الواردة عن ذلك العصر، مما تضمنته المصادر القديمة التي وصلت إلينا، دون تأثر بما كتبه متأخرو المؤرخين في عصرنا، فعلماء الآثار لا تزال جهودهم تتجدد، والمعنيون بالتراث القديم يستمر نشاطهم بإمداد الباحثين بما يحققونه من مخلفات المتقدمين في مختلف العلوم، ومنه ما كان منسيًا أو مجهولًا أو مهملًا، وفي كل ذلك مالًا يعدم الباحث فيه ما يضيف جديدًا إن لم يُغير بعض النظرات الراسخة من أثر دراسات أؤلئك المؤرخين المتأخرين ولعل من أبرز حوادث ذلك التاريخ ما عرف بـ( أيام العرب)، فبعض من تصدى لبحثها من المتأخرين من أهل عصرنا يُقلل من أهمية بواعثها، فيرجعها إلى نزوات عاطفية، وخلافات فردية تافهة تدور حول الخلاف على موارد المياه، أو حدود المنازل، أو الاشتراك في المراتع والمرابع، ويرى أنها لا ترتفع لتصل إلى دوافع ذات جذور عميقة في الحياة العربية. ولعل من أسباب هذه النظرة القاصرة أن ما يتعلق بتلك الأيام من الأخبار والأشعار قل أن يجده الباحث كاملًا في أي مصدر من مصادر التاريخ التي أمامه، وإنما يجد قصصًا غير كاملة، ونتفًا متفرقةً، وأشعارًا مبعثرة مما يتطلب كله دراسة متأنية تُعنى بجمع ما تفرق منه وبالمواءمة بين أخباره وقصصه وشواهده من الأشعار، لإكمال النقص، ثم الاستعانة على ذلك بدراسة مواقع الأحداث ليبدو الترابط بينها واضحًا مما يعين على إدراك الحوادث على حقيقتها.

ومن ثم يتضح أن وقائع التاريخ في تلك الأيام ترتكز على أسس قوية من مظاهر الحياة الاجتماعية التي تتصف بها الأمة العربية، كالمحافظة على الكيان وحماية الحوزة، ودفع الضيم، وإباء الاستعباد، وعدم الخنوع للسيطرة أو التغلب من أية قوة كانت.

وتعرف حادثة قتل شأس بن زهير بين أيام العرب بـ (يوم مَنْعِج). ومنعج هذا واد كان يعرف إلى عهد قريب باسم (ملعج) ثم بعد أن أنشئت على ضفافه هجرة مشهورة من هجر البادية تدعى (دُختَةً) أصبح الوادي مضافًا إلى هذه الهجرة فيدعى (وادي دُخنَةَ) ويقع في الجنوب الغربي من منطقة القصيم، وكان الغنوي إذ ذاك نازلًا على منهل (نَفْءٍ) الذي أصبح الآن من أكبر هجر البادية وينطق اسمه (نفي) بقلب الهمزة ياء من قبيل التسهيل وهي لهجة معروفة.

1987*

* باحث وكاتب وصحافي سعودي«1910 - 2000»