هذا الكتاب هو كتاب أريخ ماريا ريمارك المعروف بـ «لا جديد في الميدان الغربي» أو (كل شيء ساكن في الميدان الغربي) وهو في أسلوبه أقرب إلى القصص منه إلى الكتب، وأشبه بأن يكون مادة للتفكير من أن يكون فكرة أو أفكاراً مفرغة في كتاب.
قرأته فرأيت فيه ذخيرة لا تنفد من الملاحظات النفسية، وخرجت منه بمحصول قلما نعثر به في رواية واحدة. ولست أريد هنا التفصيل في التعقيب عليه ولكني أريد أن أذكر مثلا واحداً من الأمثلة التي تتوالى في صفحاته، ويجول فيها الفكر بين التأمل والحزن والعجب والاعتبار، فئة من الشبان خرجوا إلى الحرب من بلدة واحدة، ومات أحدهم ميتة شنيعة في ميدان القتال تستدر الدموع. ويصفها الكاتب وصفا أقوى ما فيه أنه صادق مفصل ببطء. ثم يعود أحدهم - وهو الكاتب - إلى بلدته في إجازة قصيرة مهدّم النفس مضعضع الجسم مبدل الشعور بكل ما كان يشعر به قبل الذهاب إلى الميدان، فيخطر له أن يزور أم صديقه القتيل ليعزيها في مصابها بعض العزاء أو ليرضي في نفسه بقية من ذكرى ذلك الصديق.
قال: (ليس في وسعي أن أدون هذا في الكتابة. أقبلت علىّ المرأة وهي ترتجف وتنشج وتهزني وتصيح بي: ما بالك أنت حي وقد مات»، وتغرقني بالدموع وهي صارخة: (فيم ذهبتم أنتم جميعًا يا بني إذا كنت أنت....» ثم تمسك وتهبط على الكرسي وهي تندب وتقول:
(أرأيته؟ أرأيته إذن؟ كيف مات؟، فأقول لها: (أصابته رصاصة في القلب فمات لساعته» فتنظر إلي وتشك فيما أقول وتصيح بي: (أنت تكذب. لقد علمت أكثر من هذا، حدثني قلبي بميتته الشنيعة، سمعت صوته في سكون الليل، سمعت حشرجته وشعرت بسكراته، قل الحق.
إني أريد أن أعلم. لا بد أن أعلم، قلت: ((كلا. لقد كنت بجانبه وقد مات لتوه)»، فعادت تتوسل إلي في ضعف ولين: (أخبرني).
لست قائلا...
لست مفضيا إليها بما تريد ولو مزقتني نثيرة نثيرة. وإنى لأرحمها ولكنها تلوح لي بليدة غبية.
فما لها لا تكف عن هذه اللجاجة؟
وما كنت لأتردد في القسم على أي شيء، فبدا عليها أنها صدقت، وراحت تئن وتنتحب.
ووجب أن أقص ما حدث فاخترعت لها قصة كدت أن أخدع في صدقها، وانصرفت فجاءت تقبلني.
ما لها تريد أن تعلم ما يعذبها ويزيد في آلامها؟ أتراها حريصة على أن يموت ابنها.
في ميدان القتال ميتة تلعج قلبها؟ أصحيح أن في النفس الإنسانية نزعة خفية تطلب العذاب وتتدين به أحيانا كما كان يتدين به النساك الغاضبون على الدنيا؟ وذكرت قصة (كرمازوف) لديستوفسكي الكاتب الروسي العظيم وفصلا فيها بعنوان التبضيع أو التمزيق، يتلخص فيما تقدم ويدور في جملته على المعذبين أنفسهم من الرجال والنساء وما يخلقونه من الشكوك التي تشعل الألم كلما خبا وتستفز الشعور كلما هوّم للرقاد. فهم بين عاشق يخلق الأوهام للشك في إخلاص معشوقه، وعابد يخلق الأوهام للشك في إيمانه، ومتفلسف يخلق الأوهام للشك في أمثلته العليا وقواعد تفكيره، ورجل من رجال الدنيا يخلق الأوهام للشك في نيته أو للشك في سروره ولذاته، وكلها شكوك ترمض النفس وتذبح الطمأنينة ذبحة لا تميت، فتريح ولا تحيي فتتبعها المتعة بالحياة
وكأن الفصل كله يدور على أن النفس الإنسانية تطلب العذاب وتستحليه وتشعر فيه بشيء من
الكبرياء يرضيها ويشبع غرورها ويملأ جوانبها، ويخيل إليها أنها قوة تثور ويثار عليها وتشتبك مع قوات الشر في نضال شريف يعجبها على السواء أن تنهزم أو تنتصر فيه.
وأحسب أن النفس الإنسانية تطلب العذاب حقا في بعض الأحيان وتفخر به ولكنها لا تطلب ذلك لذاته أو لكي تقف عنده، وإنما تطلبه لتقضي عليه أو لتصل منه إلى قرار الراحة وبرد اليقين، والنفس الإنسانية لا تفعل ذلك إلا في العواطف العزيزة عليها والتي هي عرضة للألم أكثر من غيرها.
1930*
*كاتب مصري «1889 - 1964»