الزرادشتية من أقدم الديانات في التاريخ، إذ يبلغ عمرها أكثر من 3500 سنة، ولا يزال لها أتباع إلى يومنا هذا.

دراسة تاريخها ومعتقداتها مثيرة للعجب، وهي حقل خصب قد يكتشف الباحث فيه حقائق مهمة. هذا المقال، في جزئه الأول، يذكر بعضا من أساطير الزرادشتية، ولعل الباحثين يعطون أولوية لدراسة جذور هذه الأساطير والمعتقدات.

سنذكر في هذا المقام نبذة قصيرة عن أربع شخصيات محورية في الميثولوجيا الزرادشتية.


الشخصية الأولى هي ساوشيانت (Saoshyant)، المخلّص الذي سيملأ الأرض عدلًا بعد أن امتلأت جورًا. يظهر في آخر الزمان ليضع حدًا للصراع بين الخير والشر، ويحسم المعركة لصالح الخير، الذي سيعم العالم كله على يد هذا المنتظر، الذي يُعتقد أنه ينحدر من نسل النبي زرادشت. هذا المخلّص حاضر في وجدان كل زرادشتي، وهو الأمل الذي يعلقون عليه الخلاص النهائي، ويتخذون من شوقهم وتطلعهم لقدومه وقودًا يزيدهم صبرًا وأملًا.

الشخصية الثانية هي الأمير سياوش (Siyâvash)، الذي يُعد رمزًا للطهارة والنقاء. قصته المأساوية تُهيمن على الموروث الزرادشتي، فقد تآمر عليه القريب وظلمه البعيد، ونُفي إلى توران، حيث قُتل ظلمًا وجُزَّت رقبته. هناك قصص وأناشيد كثيرة تخلد هذه المأساة، وكيف أن تربة سياوش أنبتت زهرة Fritillaria imperialis، التي نبتت عندما تقطّر عليها دمه، وهي زهرة حمراء بلون الدم، إلا أنها دائمًا منحنية نحو الأرض حزنًا على الأمير. تُقام سنويًا مواكب العزاء، حيث يُمارس البكاء الجماعي واللطم، وتُقام التمثيليات التي تُصوِّر لحظات إعدام سياوش. الألم والحزن على أمير الطهارة والصدق يملآن قلوب الفرس، ويجددونه كل عام بإحياء هذه المناسبة.

الشخصية الثالثة هي الأميرة روكسانا (Roxana)، ابنة أعظم ملوك الفرس «كورش الكبير». تروي الأساطير الزرادشتية، والتي نقلها هيرودوت، أن هذه الأميرة تعرضت لاعتداء من زوجها الشرير «كمبوجية» (Cambyses)، الذي ركلها وهي حامل، فتوفيت جراء هذا الحادث الأليم.

أما الشخصية الرابعة فهي پشوتن (Peshotanu)، البطل الغائب الذي لا يزال حيًا ومختفيًا في قلعة كانجده (Kangdez)، وفق المعتقدات الزرادشتية. ينحدر پشوتن من سلالة الكيانيين، وهو مقدَّر له أن يظهر في آخر الزمان ليكون معينًا للمخلّص ساوشيانت في المعركة الحاسمة بين الخير والشر. يقال إنه في غيبته هذه لا يفنى جسده ولا يحتاج إلى الماء أو الطعام، بل يظل محفوظًا حتى يحين وقت ظهوره. عند خروجه، سينضم إلى ساوشيانت ليقاتلا معًا في معركة أخيرة سينتصر فيها الخير، ويعم العالم النور والسلام.

هذه الميثولوجيا، قد تكون زرادشتية أصيلة كما قد تكون موروثة من معتقدات أقدم، وهو أمر شائع الحدوث في التاريخ الديني، ويعرفه المتخصصون في دراسة الأديان. فانتقال المعتقدات وتحوّرها عبر الأزمان ليس حكرًا على الزرادشتية أو على هذه المنطقة الجغرافية، بل هو ظاهرة عامة تشهدها جميع الثقافات، حيث تتسرّب الأفكار والموروثات الروحية من ديانات أقدم إلى الأديان اللاحقة، وكثيرًا ما تتحور الأساطير بشكل يتناسب مع المعتقدات الجديدة، لكنها تحتفظ ببقايا المعتقدات القديمة ولو جزئيًا.

وهذا المقال ليس سوى رؤوس أقلام، لكنه بمثابة دعوة للباحثين لتقديم أبحاث أعمق قد تتوسع لتصبح دراسات شاملة أو حتى رسائل أكاديمية متخصصة، سواء في مجال تاريخ الأديان أو الأنثروبولوجيا الدينية.

نأمل أن تسلط المزيد من الأبحاث الضوء على هذه القضايا، وأن تسهم في كشف المزيد من أوجه التفاعل بين المعتقدات عبر التاريخ، لعل هذا يضيء بصيرة بعض المتشددين والدوغمائيين، إن شاء الله.