لكن خلف غايات هذه العناوين البراقة، يطرح مختصون أسئلة جادة حول مدى جدوى هذه الفحوص، وما إن كانت جميعها ضرورية بالفعل للباحثين عن حياة صحية، أم إنها مجرد خدعة تسويقية يراد منها امتصاص ما في جيوب الناس.
جذب المستهلكين
يؤكد استشاري أمراض الباطنة الدكتور مصطفى علي أبو الوفاء أن هذه الباقات في كثير من الأحيان لا تستند إلى حاجة طبية فعلية، بل تهدف إلى جذب المستهلكين وإقناعهم بإجراء تحاليل ربما لا يوصي بها الطبيب، والنتيجة أعباء مالية إضافية على الأفراد، دون ضمان فائدة حقيقية، بل قد تؤدي كثرة الفحوص غير المبررة أحياناً إلى القلق أو حتى إلى إجراءات طبية غير لازمة بناءً على نتائج عابرة.
توصية طبية واضحة
من جانبه، يشير فني المختبرات سمير حاتم إلى أن «التحاليل الطبية يجب أن تُجرى وفق توصية طبية واضحة، وبناءً على التاريخ الصحي للمريض وأعراضه، وليس بدافع العروض التسويقية».
وأضاف «قد يحتاج المريض تحليلاً واحداً محدداً يوفر التشخيص المطلوب، في حين أن حزمة كاملة من الفحوص قد لا تضيف شيئاً جديداً، سوى زيادة الفاتورة».
وهو يرى أن ظاهرة «باقات التحاليل» قد تخرج عن إطارها الطبي لتتحول إلى منتج تجاري يهدف إلى جذب العملاء أكثر من كونه خدمة صحية فعلية.
مهمة للتشخيص
توضح استشارية العظام، الدكتورة فتحية عبدالجواد أن التحاليل الطبية وسيلة مهمة جداً للتشخيص، لكنها تفقد قيمتها إذا أُجريت بلا مبرر طبي، وتقول «بعض الباقات تضم فحوصاً لا يحتاجها المريض، ما قد يرهقه مالياً ويُربكه بنتائج ثانوية لا علاقة لها بصحته، ومن الأخطاء الشائعة اعتقاد الناس أن كثرة التحاليل تعني الوقاية الأفضل. فيما الحقيقة أن التحليل يُجرى عند وجود أعراض أو حسب العمر والتاريخ المرضي. وإلا فقد يتحول إلى عبء مالي ونفسي».
الثقة والمنظومة
من الناحية الأخلاقية، يشدد الأطباء على أنه من واجب المختبرات أن توجّه العملاء نحو الفحوص الضرورية فقط، وألا تُسوّق لحزم غير مبنية على أساس علمي، حفاظاً على الثقة بين المريض والمنظومة الطبية.
اطمئنان دائم
من جانبهم، يرى مختصون في مجال التسويق أن هذه الباقات تعتمد على رغبة الناس في «الاطمئنان الدائم» على صحتهم، وهو ما يجعلهم فريسة سهلة لخطط التسويق التي توحي بأن الفحوص المتعددة تعني صحة أفضل. مؤكدين أن الحل يبقى في التوعية، فالأشخاص بحاجة إلى استشارة الطبيب قبل الإقدام على إجراء أي تحليل، والاعتماد على التوصيات الطبية لا على الحملات الإعلانية. فالصحة لا تُشترى بباقات جاهزة، بل تُبنى بالمتابعة الطبية الصحيحة ونمط الحياة السليم.
أداة مساعدة
في رؤية مقابلة، يوضح استشاري المخ والأعصاب الدكتور فالح سالم أن الباقات التي تطرح للتحاليل الطبية ليست مجرد وسيلة تسويقية، بل قد تكون أداة مساعدة للكشف المبكر عن أمراض صامتة لا تظهر أعراضها إلا في مراحل متقدمة.
وقال «كثيرا من الأمراض مثل السكري، اضطرابات الغدة الدرقية، أو نقص بعض الفيتامينات قد تبقى غير مكتشفة لسنوات، ووجود باقات شاملة يتيح للمريض الاطمئنان على مجموعة من المؤشرات الصحية دفعة واحدة، وهو ما يعزز الوقاية».
كما يعتقد استشاري الباطنية الدكتور منصور جميل أن «الباقات توفر خياراً عملياً وسهلاً للأشخاص الذين لا يعرفون ما يحتاجونه بالضبط. بدلاً من الدخول في تفاصيل طبية معقدة، يجد المراجع أمامه مجموعة من الفحوص الجاهزة التي قد تكشف عن مشكلات مبكرة يمكن علاجها قبل أن تتطور».
ويشير إلى أن «هذه الباقات تمنح الناس راحة واطمئناناً، وتشجع على إجراء الفحوص بشكل دوري، خصوصاً في مجتمعات يقل فيها الوعي بأهمية الفحوص الدورية والوقاية».