ليس الذوق عقلًا خالصًا ولا شعورًا خالصًا، وإنما هو مزاج من العقل والشعور، ولكن أي عقل وأي شعور هنا؟ يجب أن نلاحظ أن ليس للناس ذوق واحد، ولكن لهم أذواقًا مختلفة متباينة، تختلف حياتهم كما تختلف باختلاف حظوظهم من الثقافة وباختلاف حظوظهم من لين الحياة وشدتها ومن نوع الحضارة بوجه عام. ولا بد من عودة إلى هذه الأذواق المختلفة إن أردنا استقصاءها فلندعها الآن ولنقف عند هذا الذوق الذي يمكن الجمهور من أن يعجب بأثر فني أو يسخط عليه، فهذا الذوق يجب أن يكون مشتركا بين الناس ليدفع أيديهم إلى التصفيق إن أعجبوا وأفواههم إلى الصفير إن سخطوا. وهو مشترك بالفعل، ولكن الغريب من أمره أنك مهما تلاحظ من إجماع الناس على الإعجاب بأثر فني أو السخط عليه، فإن توافق إذا طلبت إلى كل واحد منهم أن يعلل إعجابه أو سخطه إلى تعليل يشتركون فيه، هم يعجبون معًا ويسخطون معًا وكأنهم يعجبون أو يسخطون لسبب يشعرون به جميعًا. ولكن لو سئل كل واحد منهم عن هذا السبب فستجد بينهم اختلافًا كثيرًا، ذلك لأنهم يختلفون في حظوظهم من العقل والشعور والثقافة وظروف الحياة المختلفة. فيقدر كل واحد منهم الأشياء قدرًا ملائمًا لحاله، فلا يتفقون إذا حكموا فرادى، ولكنهم على كل حال يشتركون في مقدار ما من هذا العقل وهذا الشعور ولظروف الحياة الأخرى، وكأن هذا المقدار الذي يشتركون فيه هو الذي يمكنهم من أن يتفقوا على السخط أو الإعجاب.

هذا المقدار القليل الذي يشترك فيه أفراد الجماعة فيكون ذوقهم العام مختلفًا في نفسه أيضًا باختلاف الظروف التي تحيط به وتؤثر فيه. ولست أشير إلى اختلاف الأذواق العامة باختلاف الأجيال فقد كان الذوق العام منذ ثلاثين سنة في مصر شيئًا غير الذوق العام الذي تشهده الآن، فكان يعجب بشيء من الشعر والنثر نراه نحن سخيفًا ولو عرض عليه ما ينشر كتابنا وينظم شعراؤنا لما تذوقه ولما استساغه، ويكفي أن تعرض على جماعاتنا الآن ما يكتب أو ينظم منذ ثلاثين سنة لترى نفورها منه وإنكارها له، لا أشير لاختلاف الذوق باختلاف الأجيال، ولا إلى اختلاف الذوق باختلاف البيئات، فهنا طيعي يسير الفهم والتعليل. وإنما أشير إلى أن الذوق العام الواحد في جيل بعينه يختلف باختلاف الظروف الوقتية الطارئة التي تعرض له فتؤثر فيه، فلو قد مثلت القصتان اللتان أشرت إليهما آنفًا في باريس منذ عشر سنين لما أعجب بهما النظارة بل لسخطوا عليهما أشد السخط؛ ذلك لأن ظروف الحياة التي كانت تحيط بالباريسيين في ذلك الوقت كانت تدعو الجماعات إلى بغض الأثرة وحب الإيثار، وكيف لا وقد كانت الحرب قائمة والجهود كلها موجهة إلى التعاون على دفع العدو وإنقاذ الوطن، فالأثرة لا تلائم التعاون والتوفيق بين الجهود المختلفة، ولو أعيد الآن تمثيل القصص التي أنتجتها ظروف الحرب وأعجب بها الباريسيون حينئذ لما أعجبوا بها الآن إلا المتكلفين لأنهم يكرهون أن يقال عنهم أو أن يقولوا هم عن أنفسهم أنهم قد نسوا الحرب وأهوالها، فترى أن جيلا واحدًا يعجب ويسخط إعجابًا وسخطًا مختلفين باختلاف الظروف التي تؤثر في ذوقه العام، ومعنى هذا كله أن هاتين القصتين يجب أن تكون كل واحدة منهما مرآة صادقة إلى حد ما لطبيعة الخلق الفرنسي في هذه الأيام لهذه الأثرة التي أنتجتها الحرب بما دعت إليه من جهاد وصراع بين هؤلاء الذين كانوا يتعاونون منذ سنين، كانوا يتعاونون لدفع العدو الطارئ، فلما خلصوا منه فرغ بعضهم لبعض، وكانوا قد لقوا في الحرب خطوبًا وأهوالًا وصنوفًا من الحرمان والبؤس، فهم يريدون الآن أن يعوضوا ما فاتهم، وأن يستمتعوا من اللذات بما يعدل ألوان البؤس والحرمان التي خضعوا لها من قبل، إذًا فهم أثرون، ويجب أن تكون الأثرة هي الطابع الذي يطبع أخلاقهم وأعمالهم وذوقهم وآثارهم الفنية، ومن المحقق أن هذا الطور من أطوار الحياة الفرنسية سيزول كما زال غيره من أطوارها السابقة، ويومئذ لا يطبع الذوق العام في فرنسا بطابع الأثرة هذا، ولا يعجب الفرنسيون بهاتين القصتين، ولا يتخذ الكتاب الممثلون الأخلاق والعرف وسيلة إلى إرضاء الأثرة وحب النفس، ومثل هذا يمكن أن يقال في كل ذوق عام، وفي كل جيل من أجيال الناس، وكم أحب أن أعرف الطابع الذي يطبع ذوقنا المصري العام في هذه الأيام التي نعيش فيها.

1929*


* أديب وناقد مصري (1889 - 1973)