وما زلتُ إلى الآن أفكّر في الرجل رغم مرور أسابيع على لقائنا، يمرّ المشهد أمامي كلما تذكرته: وجه يحمل أثر الصبر لا أثر النسيان، أتساءل يا ترى كم مرة رفع يده إلى السماء طوال هذه السنوات يدعو، وكم مرة في يومه يعود إليه طيف الظلم الذي وقع عليه، فيشتعل قلبه بالحرقة ذاتها وكأن الحدث وقع بالأمس! عشر سنوات من العذاب النفسي، من الكتمان، من استعادة الحوار والموقف والتفاصيل في صمتٍ موجع، لا يسمعه فيه أحد إلا الله، هذه السنوات ليست زمنًا عاديًا؛ إنها عمر من الصبر، وجرح ظلّ مفتوحًا تحت الجلد لا يُرى، لكنه يحرق صاحبه كل يوم.
أدركت حينها أن الظلم لا يمرّ مرور الحوادث العادية، وإنما يترك ندبةً في الروح لا تزول بسهولة.
من هنا قد نفهم لماذا حرَّم الله الظلم على نفسه وجعله محرّمًا بين عباده. ففي الحديث القدسي:
«يا عبادي، إني حرمت الظلم على نفسي وجعلته بينكم محرّمًا فلا تظالموا».
ولذلك قال النبي صلى الله عليه وسلم:
«اتَّقِ دعوة المظلوم فإنها ليس بينها وبين الله حجاب».
وفي حديث آخر معناه «.....ودعوة المظلوم تُرفع فوق الغمام، ويقول الله: وعزتي وجلالي لأنصرنك ولو بعد حين».
هذه النصوص لا تترك مجالًا للشك: حقوق الناس لا تسقط، ودعوة المظلوم لا تُهمل، العدل آتٍ مهما طال الزمن!
غير أن جانبًا مهمًا في هذه المسألة لا يقل شأنًا عن التحذير من الظلم، وهو واجب نصرة المظلوم. فالاكتفاء بالقول: «أنا لم أظلم أحدًا، وهذا لا يعنيني» موقف سلبي يتيح للظلم أن يتمدد، بل جاء في الحديث:
«من مشى مع مظلوم حتى يثبت له حقه، ثبّت الله قدميه على الصراط يوم تزلّ الأقدام». كما تُنسب إلى ألبرت أينشتاين عبارة بليغة المعنى:
«لن يُدمَّر العالم بسبب الأشرار، بل بسبب من يشاهدونهم ولا يفعلون شيئًا». فالسكوت عن الظلم نوع من المشاركة فيه، حتى دون قصد.
ثم إن الظلم لا يصيب الفرد وحده، بل يصيب المجتمع كله، فقد قال سيدنا عمر بن الخطاب رضي الله عنه:
«ما أصاب قومًا الظلم إلا أورثهم ذلًّا، وما أصابهم العدل إلا أورثهم عزًّا». ومما ينبغي تذكُّره دائمًا أن الظالم لن يهنأ بظلمه، بل سيذوق طعمه عاجلا أو آجلا.
فالدنيا تدور، والحقوق تعود، والموازين تُصحَّح، وإن تأخر الزمن.
وقال ابن القيم: «الظلم يورث الخزي في الدنيا والعذاب في الآخرة». ويُنقل عن ابن الجوزي قوله:
«ما أصبح ظالمٌ إلا وجد الظلم يومًا يأكله»، فلا يأتِ أحد ليبرر الظلم بحجة مصلحة أو هدف أو قضية.
فالفيلسوف برتراند راسل يقول: «الظلم لا يمكن تبريره، حتى لو زُعم أنه في خدمة قضية عظيمة». والظلم لا يشوّه فردًا واحدًا فحسب، بل ينهش نسيج المجتمع بأكمله. ولذا قال جون رولز: «العدالة هي أول فضيلة للمؤسسات الاجتماعية، كما أن الحقيقة هي أول فضيلة للأنظمة الفكرية». ولا وجود لمنطقة رمادية في قضايا الظلم؛ فالموقف إمّا نصرة حق أو مداهنة باطل، وفي هذا يقول مالكوم إكس: «لا يمكنك أن تكون محايدًا في موقف ظالم. إما أن تكون مع المظلوم أو مع الظالم». الخلاصة، العدل ليس خيارًا ثانويًا، بل بوصلة المجتمع وعمود استقامته. والظلم مهما بدا قويًا فإنه هشّ، وسقوطه حتمي.
فكن مع المظلوم ما استطعت، وأعرض عن الظالم ولو كان قريبًا أو صاحب جاه؛ فالله يمهل ولا يهمل.