لم تعد الثقافة نشاطًا مكملًا في هوامش الاقتصاد، بل دخلت اليوم صلب معادلة النمو. وتجاوز الاستثمار الثقافي السعودي حدود الدعم الإبداعي إلى صناعة القيمة، وبدأ يفرض حضوره كمحرك اقتصادي وطني حقيقي.

ويكشف تحليل بيانات تقرير حديث صادر عن صندوق التنمية الثقافي، أن المشاريع الثقافية المدعومة حققت أثرًا اقتصاديًا تجاوز 48.6 مليار ريال، وأسهمت في استحداث أكثر من 1.093 وظيفة، إلى جانب تسجيل نسب لافتة في المحتوى المحلي ومشاركة المرأة. وتعكس هذه المؤشرات انتقال القطاع الثقافي من دور رمزي إلى مساهم فعلي في الناتج المحلي، مع بقاء التحدي الأكبر متمثلًا في توسيع الأثر جغرافيًا وتعزيز كفاءة التوظيف.

قيمة ثقافية استثمارية


إجمالي الأثر للاقتصاد الثقافي في الناتج المحلي الذي بلغ 48.65 مليار ريال، تصدّرته منطقة الرياض بمساهمة تقارب 21.8 مليار ريال، ما يجعلها المحرك الأبرز للاقتصاد الثقافي.

ويعكس هذا التركز تفوق البنية التحتية الثقافية في العاصمة، وسهولة الوصول إلى التمويل والأسواق، غير أنه يفتح في الوقت ذاته نقاشًا اقتصاديًا حول الحاجة إلى إعادة توزيع الزخم الاستثماري، خصوصًا في مناطق تمتلك مقومات ثقافية وسياحية قادرة على توليد قيمة مضافة مماثلة إذا ما أُحسن استثمارها.

وظائف جديدة

في جانب سوق العمل، أسهمت المشاريع الثقافية في توليد 1.093 وظيفة خلال الفترة الماضية توزعت بين كل من مناطق الرياض التي سجلت أكثر من 110 وظائف، تلتها المدينة المنورة بنحو 42 وظيفة، ثم المنطقة الشرقية بـ17 وظيفة.

ورغم أهمية هذه الأرقام، إلا أن المقارنة بين حجم الأثر الاقتصادي وعدد الوظائف تشير إلى أن القطاع لا يزال في مرحلة بناء، وأن رفع الكثافة الوظيفية يتطلب توجيه الاستثمارات القادمة نحو مشاريع ثقافية إنتاجية، قادرة على خلق وظائف مباشرة وغير مباشرة، خاصة في سلاسل الإنتاج والخدمات الإبداعية.

محتوى محلي

في الوقت الذي سجل فيه متوسط نسبة المحتوى المحلي في المشاريع الثقافية نحو 33.1 %، وهي نسبة تعكس تقدمًا واضحًا في توطين النشاط الثقافي، لكنها لا تزال دون الإمكانات المتاحة.

وتفاوتت النسب بين المناطق، ما يشير إلى اختلاف قدرة المشاريع على الاعتماد على الموردين المحليين في الإنتاج والتشغيل والخدمات.

اقتصاديًا، يمثل رفع المحتوى المحلي فرصة مزدوجة، فهو يعزز القيمة المضافة داخليًا، ويخلق طلبًا على الصناعات الإبداعية الوطنية، بما يسهم في بناء منظومة ثقافية صناعية متكاملة.

تمكين المرأة

برز القطاع الثقافي كأحد أكثر القطاعات الاقتصادية دعمًا لتمكين المرأة، حيث بلغ متوسط مشاركة المرأة في الاقتصاد الثقافي السعودي نحو 57.8%.

وسجلت منطقة الرياض مشاركة تجاوزت 63%، فيما اقتربت مناطق أخرى من هذه النسبة، مقابل ضعف أو غياب المشاركة في مناطق محدودة.

ويعكس هذا المؤشر مرونة القطاع الثقافي، وقدرته على استيعاب الكفاءات النسائية في مجالات إبداعية وإدارية وريادية، ما يجعله مساهمًا في تحقيق أهداف التمكين الاقتصادي وتنويع مصادر الدخل.

استثمار الثقافة

عند تحليل وربط مؤشرات بيانات تقرير الصندوق، يتضح أن الاقتصاد الثقافي أصبح جزءًا من البنية الإنتاجية، لا مجرد نشاط داعم. فهو يضيف للناتج المحلي المليارات، ويخلق مئات الوظائف، ويرفع المحتوى المحلي، ويعزز مشاركة المرأة.

غير أن المرحلة المقبلة تتطلب تركيزًا أكبر على تعظيم العائد الاقتصادي إقليميًا، ومواءمة الاستثمارات مع أهداف التوظيف والتوطين، بما يحول المشاريع الثقافية إلى أدوات تنموية طويلة الأجل. الأرقام الحالية تشكل قاعدة بيانات صلبة لانطلاقة أوسع للاقتصاد الثقافي كأحد روافد النمو المستدام.

110 وظائف في الرياض

17 وظيفة في المنطقة الشرقية

%33.1 متوسط المحتوى المحلي

%57.8 متوسط مشاركة المرأة

%63 مشاركة المرأة في الرياض