وكان يقطن أكاد في الألف الرابعة قبل الميلاد شعب سامى امتزج بأهل سومار «السوماريين»، واندمج الشعبان حتى أصبحا أمة واحدة، عرف بالشعب الآشورى البابلى، وكان هؤلاء أصحاب علم وحضارة وتشريع، ويكفى أن نعرف أن «حمورابى» من ملوكهم، وحمورابى هو صاحب التشريع الذى سبق كل المشرعين بدقته وإنسانيته، وما تزال بعض الأمم في عصرنا هذا -في أوروبا وآسيا وأمريكا- متخلفة في هذا السبيل عن عصر حمورابى في التشريع والقانون.
ومن اللغات السامية التى تنتمى إليها العربية: السامية الشرقية، والسامية الغربية، وهذه تنقسم إلى العربية الشمالية والعربية الجنوبية، أى العينية والسبئية والإثيوبية، ومعها لهجات شتى، بعضها قديم، وبعضها حديث، وكل تقسيم من هذه التقسيمات إنما هو مسألة اصطلاح، والتفرقة فيه أقل من التفرقة بين اللغات الهندية والجرمانية التى درسها الباحثون خلال القرن أو القرن والنصف الأخير، إذ أن اللغات السامية -عدا الأكادية- تتقارب في الأجرومية والنطق، بحيث تشترك كل لهجة وما جاورها.
ولا يلحظ الانتقال من لهجة إلى لهجة إلا كما يلحظ مثل هذا الانتقال اليوم بين اللهجات الفرنسية والجرمانية، ولما بدأ عصر الآباء العبريين عند مطلع الألف الثانية قبل الميلاد لم يكن الفرق بين اللغات يزيد على الفرق بين اللهجات العربية الأصيلة في هذه الأيام.
وما دامت اللغة العربية تنتمى إلى السامية، وتشترك مع أخوات لها فإن من البداهة أن تتقارب ما ينتمى منها إلى سلالة واحدة ويتآلف، وأن يكون بينها شبه من قريب أو بعيد في الأصول اللغوية والقواعد، وأن يتعاون بعضها مع بعض، فتأخذ المحتاجة ما تحتاج إليه من قريباتها أو أخواتها.
ويؤيد هذا ما نقله مرجليوت عن دسو (Dussaud) أن الأحافير النبطية التى ترجع إلى القرن الثالث قبل الهجرة، تدل على تقارب شديد بين الآرامية والعربية الفصحى.
وقد لوحظ التقارب بين اللغات أو اللهجات العربية فيما هو أقدم من ذلك كثيرا، بحيث لا يحسب تاريخه بأقل من ألفى سنة قبل الميلاد، فإن أداة التعريف وضمير المتكلم الغائب، وكلمات النفى والنهى وتصريف الأفعال مشتركة بين العربية واللغة الآشورية، التى تنسب إليها السريانية.
وكانت العربية الأولى لغة القبائل التى سكنت الجزيرة العربية من اليمن إلى الشام إلى العراق وتخوم فلسطين وسيناء، وقد عرفت باللغة السريانية خطأ نجم من إطلاق اليونان هذا الاسم عليها، وسبب ذلك أنهم كانوا يسمون الشام الشمالية أشورية أو سورية، فشاعت تسمية العربية بالسريانية.
وبين العربية والبابلية شبه أو تشابه واضح في كثير من أوجه الإعراب والحركات، وكل الأفعال في البابلية قريبة في صيغها من العربية، وعلامة الجمع واحدة في البابلية والعربية، وبين العبرية والعربية صلة وقربى في كثير من المجارى اللغوية وفي الكلمات المشتركة بينهما.
وانتماء العربية مع شقيقاتها إلى جذر واحد، وجوار كثير من القبائل العربية لغيرها من الأمم غير العربية، كالفرس والروم جعلا العرب يتأثرون في لغتهم بلغات غيرهم من الأمم، فقبيلة بهراء كانت تكسر حرف المضارعة كما نكسرها نحن في لغتنا العامية، وما كانت قبيلة بهراء لتصنع ذلك لولا تأثرها بالعبرية والسريانية اللتين تكسران حرف المضارعة.
بل سرت هذه العدوى إلى كل قبائل العرب في شبه الجزيرة ما عدا الحجاز، فكانت تتلتل كبهراء في كسر حرف المضارعة في فعل إذا كان عينه أو لامه ياء أو واواً.
قال سيبويه -إمام النحاة طرا- في «الكتاب»: «يتفق جميع العرب في كسر حرف المضارعة إلا أهل الحجاز في نحو فعل إذا كانت عينه أو لامه ياء أو واواً نحو وجل وخشى»، فيقولون: نيجل ونخشى بكسر نون المضارع، وهذا يسمى تلتلة بهراء.
وكانت حاضرة الحجاز غير خالية من الأعاجم نساء ورجالا، فكان فيها من يونان وفرس.
وللحديث صلة....
* 1964
* كاتب وصحفي سعودي «1916 - 1991».