تنقلت في حديثي مع مدير عام الجوازات اللواء الدكتور صالح المربع في جولة ما بين ماضي وحاضر ومستقبل الجوازات، وكان ما سمعته مدهشًا بمعناه، متقدما في مضمونه، ويبعث على الفخر والاعتزاز بما حققته المملكة في إحدى أهم واجهاتها السيادية.

فالجوازات لم تعد مجرد جهة تنفيذية، بل أصبحت منصة ابتكار أمني وتقني تنافس عالميا.

ومن أبرز ما لفت الانتباه في هذا الحديث جهاز سعودي الابتكار والتطوير يحمل اسم "كاشف"، يعد ـ باختصار ـ الأول من نوعه على مستوى العالم في الوصول إلى هذه الدرجة من الدقة في اكتشاف الجوازات المزورة مهما كانت الدولة المنسوب إليها الجواز، وبنسبة خطأ صفرية.


هذا الجهاز وفرته الجوازات في جميع منافذ المملكة الجوية والبرية والبحرية، مع تدريب منسوبيها على استخدامه لكشف أي محاولة تزوير لجوازات السفر الواردة إلى المملكة. وعلى الرغم من وجود نسخ تقليدية مشابهة في معظم دول العالم. إلا أن تلك الأجهزة تقتصر على قراءة العلامات الأمنية عبر الأشعة فوق البنفسجية (UV) التي تظهر عناصر أمان مخفية لا تُرى بالعين المجردة.

أما ما يميز "كاشف" حقا، فهو التطوير النوعي الذي أُجري عليه، إذ أضيفت إليه العلامات الأمنية الأصلية المعتمدة رسميا من الدول المصدرة للجوازات. وتم تحميل النماذج الأصلية لجميع جوازات الدول المصرح لها بدخول المملكة، والبالغ عددها 205 جوازات.

هذا الابتكار تحديدا تفتقر إليه معظم دول العالم؛ ويمنح قدرة ذكية على مقارنة الجواز الوارد بالعلامات الأصلية المحدثة للدولة المعنية ـ حتى تلك التي شهدت تغيرا في حكوماتها ـ ليحدد آليًا احتمالية التزوير. ثم تستكمل العملية بإحالته إلى جهاز متقدم عالي التكلفة، يتولى تدقيق الحفر أو التعديل أو البروز وغيرها من الأدلة الكاشفة للتزوير.

وقد أثمر هذا التكامل التقني عن كشف أحد المزورين المحترفين، الذي عبر بجوازه المزور معظم البلدان الأوروبية الحاصلة على تأشيرة شنغن، إضافة إلى دولتين آسيويتين تصنفان ضمن الدول الأكثر تقدما تقنيًا، دون أن يُكتشف أمره، إلى أن وصل إلى منافذ المملكة، حيث تمكن أبطال الجوازات من كشف التزوير.

هذه الواقعة دفعت دولا أوروبية إلى طلب التعاون مع المملكة في مجال التدريب على كشف تزوير الجوازات.

وما يزيد المشهد إشراقا، أن مركز التدريب بالجوازات خرّج أخيرا أكثر من 200 فتاة سعودية من دورة الفرد الأساسي، شملت التدريب على الأسلحة، ومن بينهن خريجات في تخصص الأمن السيبراني، ليلتحقن بزميلاتهن في معامل الابتكار التي تنتج مثل هذه الأنظمة المتطورة.

ما أود قوله هنا: إن الجوازات، ومنذ سنوات طويلة، كانت سباقة في تسخير التقنية لتيسير حياة الناس، وكانت صاحبة الخطوة الأولى في إطلاق «أبشر» الذي شكل حجر الأساس للحكومة الرقمية التي نعيش تفاصيلها اليوم.

ولعل تجربة شخصية أستحضرها تختصر هذا التحول، إذ اضطررت في أحد الأعوام إلى استخراج جواز سفر لرضيعتي أثناء وجودي في دولة إفريقية قد يصعب فيها حتى استقبال القنوات التلفزيونية. وبمجرد وصولي إلى أقرب شبكة إنترنت، تمكنت من إصدار جواز السفر بصورة التقطت لها وهي في سريرها، ووصل الجواز إلى باب المنزل مع تصريح سفر دون مرافقة الأب، من دون أن تغادر الرضيعة المنزل، أو أضطر لقطع سفري.

وهكذا، ما بين «أبشر» الذي غير تفاصيل حياتنا اليومية، و«كاشف» الذي رفع سقف الثقة في منافذنا وحمى هويتنا الوطنية، ندرك أن ما نراه ليس أجهزة وأنظمة، بل رؤية تتحول إلى عمل، وعقول تترجم إلى إنجاز، ومؤسسات تتحول إلى مصدر فخر. هذه هي المملكة حين تختار أن تكون في الصف الأول: لا تكتفي بمجاراة العالم، بل تلهمه بقصص متواصلة.. من بينها قصة «جوازاتنا ما بين أبشر وكاشف».