حين تعمل الإدارات بمعزل عن بعضها، تبدأ القرارات بالتصادم، وتتكرر الأعمال، وتتعدد التوجيهات، وتضيع الأولويات. النتيجة؟ مشروع يتحرك... لكنه لا يتقدم.
اللافت أن آثار غياب التنسيق لا تظهر فورًا، بل تتسلل بهدوء: تأخير هنا، تعديل هناك، إعادة اعتماد، ثم تكلفة إضافية لا يعرف أحد من تسبب بها. وهكذا يبدأ نزيف المال العام دون ضجيج، ودون مساءلة واضحة.
المشكلة ليست في غياب الأنظمة، فغالبية الجهات تمتلك لوائح، ومنصات، وخططًا معتمدة. المشكلة الحقيقية تكمن في أن كل طرف يعمل من زاويته الخاصة، بينما يغيب المشهد الكلي.
في المشاريع الكبرى، لا يكفي أن يؤدي كل طرف دوره بإتقان؛ الأهم أن يعرف متى يؤديه، ومع من، ووفق أي قرار مشترك. فالكفاءة الفردية دون تنسيق جماعي قد تتحول من قيمة مضافة إلى عبء.
غياب التنسيق لا يستهلك الوقت فقط، بل يخلق قرارات متناقضة، ورسائل مزدوجة، وفجوة ثقة بين الجهة المنفذة والجهة المالكة. ومع الوقت، تتحول هذه الفجوة إلى تعثر مزمن يصعب علاجه.
الأخطر من ذلك أن غياب التنسيق يُطبع كواقع، ويُبرر بعبارات مألوفة تشبه مكعبات الثلج: «لم يصلنا التوجيه»، «لم نُبلغ»، «لم يكن ضمن نطاقنا».
وهنا تبدأ المسؤولية في التلاشي.
التنسيق الفعّال لا يعني كثرة الاجتماعات، بل وضوح الصلاحيات، وتسلسل القرار، ووجود جهة تقود الصورة كاملة، لا أجزاء متفرقة منها.
أخيراً.. في ضعف التنسيق، لا نخسر مشروعًا...بل نخسر فرصة.