تمثل هذه الحالة تجربة شعورية يمرّ بها بعض الأشخاص عندما يشرفون على الموت، أو يواجهون توقفًا مؤقتًا في الوظائف الحيوية، بما في ذلك القلب والدماغ.
وهي بطبيعة الحال حالة تتزايد طرديًا مع تطور تقنيات الإنعاش؛ فمن يروونها هم أناس شارفوا على الموت ثم تم إنقاذهم بعد توقف جميع وظائفهم الحيوية.
ويصف هؤلاء مشاهد تتشابه تفاصيلها بشكل مدهش: رؤية الجسد من أعلى، الصعود إلى السماء في ممر ضوئي، يمر على الشخص شريط حياته في لحظات قليلة، ومقابلة أحباء رحلوا، بل ونقل تفاصيل دقيقة لما دار في غرفة الإنعاش، أي أنهم بينما كانت أجهزتهم الحيوية، ومنها الدماغ وفقًا لآلات الرصد، متوقفة تمامًا، كانوا يسمعون ويرون ويعون، وهذا هو ما يزعج المتشددين من التيار المادي، لأنّه إذا كان الدماغ وأجهزة الجسم متوقفة، فمن أين يأتي الوعي، ومن هو الذي يسمع ويرى.
وطبعًا، الحالة ليست حديثة، وقد وثّقتها كثير من المصادر في التاريخ، مثل ما أورده أفلاطون في كتاب الجمهورية في قصة «إر بن أرمينيوس». كما وثّقت حضارات كثيرة قصصًا مشابهة، ومنها الحضارة الإسلامية في قرونها الأولى.
إلا أن من أبرز من تناولها اليوم وأدخلها ميدان العلم كحالة طبية هو العالم الأمريكي الدكتور ريمون مودي، بعد كتابه الحياة بعد الموت، لتصبح منذ ذلك الحين موضوعًا للدراسة العلمية المنهجية داخل مراكز الأبحاث والمستشفيات.
وقد أُطلقت دراسات عديدة في أقسام الإنعاش والعناية المركزة في كبرى المستشفيات في دول العالم المتقدم، ركّزت على شهادات أشخاص أُعيد إنعاشهم بعد توقف وظائفهم الحيوية، بما فيها حالات توقف القلب والدماغ، أو الغرقى الذين جرى إنقاذهم في اللحظات الحرجة.
ومن أهم العلماء المهتمين بهذا الحقل طبيب القلب الهولندي Pim van Lommel، وطبيب الإنعاش القلبي البريطاني Sam Parnia.
ولكن في مقابل هذه الشهادات، يجادل بعض العلماء الماديين بأن ما يراه الشخص في هذه الحالات ليس إلا «هلوسة» ناتجة عن تغيرات كيميائية حادة، كإفراز الدماغ لمواد ذات تأثير يشبه المخدرات، لتخفيف صدمة الموت، أو نتيجة لنقص الأكسجين الذي قد يسبب اضطرابًا في الفص الصدغي، بما يوهم الشخص بالخروج من جسده أو رؤية مشاهد غير واقعية، ولكن كل هذه التفسيرات لا تبرر دقة وصف هؤلاء الشهود لما رأوه وسمعوه في محيطهم، وربما أبعد من محيطهم، وهو ما يطابق فعلًا ما حدث كما يصفونه، وهذه قطعًا ليست هلوسة.
ومع تزايد هذه الدراسات، اتسعت الشهادات وتكاثرت غرائبها، وإحدى هذه الغرائب هي قصص الأطفال الذين خضعوا للإنعاش ومرّوا بتجارب مشابهة لما يمرّ به غيرهم، (باستثناء رؤية شريط الحياة) رغم محدودية معارفهم وخبراتهم الحياتية، وهو ما يثير إشكالًا في الرؤية المادية بوصفها أن الحالة هذه مجرد انعكاس للثقافة أو الخلفية المعرفية للشخص.
وقد ألّف طبيب الأطفال Melvin Morse كتابًا تناول فيه عددًا من هذه الحالات.
وكثير من الوعّاظ والمؤمنين رأوا في هذه الظاهرة، التي امتدت من فضاء الغيب والروحانيات إلى فضاء البحث العلمي، ما يُعد انتصارًا لرؤيتهم الإيمانية.
ومع ذلك، تحفّظ بعضهم، ربما لعدم إدراكهم أن هذه الحالات لا تمثل الموت ذاته الذي لديهم بعض التصور عنه، بل هي، كما يدل اسمها، مجرد اقتراب منه.
هذه الحالة أصبحت تفرض نفسها بقوة، وتستمر في أبعاد كثير من التفسيرات المادية التي أُطلقت في محاولة لاحتوائها داخل المختبرات المادية فقط، خصوصًا مع التزايد الهائل للأشخاص الذين مرّوا بها. ففي البداية كان هناك أطباء يسمعون من بعض مرضاهم هذه الشهادات، ثم أصبح اليوم كثير من الأطباء أنفسهم ممن مرّوا بهذه التجربة هم، ومنهم أطباء متخصصون في الدماغ والإنعاش، أصبحوا شهودًا يروون ما خبروه بأنفسهم عندما تعرّضوا لحوادث وتم إنعاشهم.
وليس الأطباء وحدهم، بل من مختلف شرائح المجتمع العلمي، ومع اتساع رقعة الشهود بدأت هذه الظاهرة تفرض وجودها في ميدان العلم المادي، كما هي مقرّة في ميدان العلم الروحي منذ الأزل.
فعدد الشهادات المسجّلة اليوم في بلدان شتّى بلغ أرقامًا كبيرة جدًا؛ إذ تشير بيانات صادرة عن المعاهد الوطنية للصحة في الولايات المتحدة (NIH) إلى أنه، ومع تطور تقنيات الإنعاش الطبي، بلغ عدد من أفادوا بمرورهم بتجارب اقتراب من الموت نحو تسعة ملايين شخص في الولايات المتحدة وحدها، من مختلف شرائح المجتمع، بينهم أطباء، وعلماء، وفلاسفة، وشخصيات عامة.
وبطبيعة الحال، من المحتمل أن يكون بين من يروون هذه الشهادات من يكذبون، ولكن العدد الهائل قطعًا يتضمن جزءًا كبيرًا من الروايات الصادقة، كما أن كثيرًا من هذه الشهادات تطابق الأحداث التي وصفوها أثناء توقف أجسادهم، وهذا يعزز مصداقيتهم، ومن المستحيل أن تتواتر كل هذه الشهادات من جميع أنحاء العالم، كبارًا وصغارًا، علماء وأميين، على مدى العصور.
كما وُثّقت في العالم العربي شهادات مماثلة تحدّث بها عدد من المشاهير، مثل الممثل أحمد زكي، والسياسي صائب عريقات رحمهما الله، والشيخ محمد خير الشعّال، وهي شهادات، مهما اختلفت قراءتها، تتقاطع في كثير من تفاصيلها مع ما ورد في الأدبيات العالمية حول هذه الحالة.
وإذا كان هناك أمر يكاد يجمع عليه جميع الدارسين لهذه الحالة اليوم، حتى أكثر الماديين منهم، فهو أن من يمرّون بهذه التجربة يعودون بنفسيات أكثر هدوءًا، وأقل تشبثًا بالحياة المادية، وأكثر ميلًا للتسامح مع الآخرين.