وفيما يبدو مثل هذا السلوك بسيطًا في ظاهره، أو ربما يبادر إليه بدافع الخصوصية، إلا أنه فتح بابًا واسعًا للتساؤلات حول مدى أبعاده الشرعية والأمنية والاجتماعية، وما قد يترتب عليه من مخاطر تتجاوز حدود التطبيق إلى سلامة الأفراد والمجتمع.
ارتباك وتوتر
يوضح غازي الحربي، وهو كابتن في أحد تطبيقات التوصيل الإرباك الذي يتسبب به أن يكون الطلب باسم امرأة، لكن الراكب رجل، ويقول «نستعد للمشوار على أساس أن الراكبة امرأة، ونلتزم بضوابط معينة في التعامل، ثم نفاجأ براكب رجل، وهذا يسبب ارتباكًا وتوترًا، خصوصًا في الأحياء السكنية أو أثناء التوقف أمام المنازل في منتصف الليل».
وهو يؤكد إلى جانب سائقين آخرين أن هذا التصرف قد يعرّضهم للمساءلة من الجهات المختصة، أو من الشركة المشغلة، في حال ورود بلاغ أو شكوى، لأن البيانات المسجلة في التطبيق لا تتطابق مع الواقع، موضحين أنه في حال حدوث أي خلاف أو حتى حادث، فإن أول شيء يُسأل عنه الاسم والحساب، وإذا كان غير صحيحًا، يكون السائقون هم أول من يُحاسب كما يذكر أحدهم.
شك وخوف
يرى سائقون في تطبيقات التوصيل أن هذه الظاهرة تفتح بابًا للشك والخوف، خاصة في ظل تكرار التحذيرات من محاولات الاستدراج أو الاعتداء، وهو يؤكدون أنهم باتوا يترددون في قبول الطلبات التي تحمل أسماء نسائية غير واضحة، خوفًا من المفاجآت أو المشاكل.
كما عبر بعض السائقين عن استيائهم من هذا السلوك، معتبرين أنه يُسيء لمبدأ الثقة المتبادلة بين السائق والراكب، ويؤثر على سمعة مستخدمي التطبيقات بشكل عام.
وطالب السائقون شركات التطبيقات بتشديد إجراءات التحقق من الهوية، وربط الحساب بالاسم الحقيقي، حمايةً للسائقين والركاب على حد سواء، مؤكدين أن الوضوح والصدق هما الأساس في أي خدمة قائمة على التعامل المباشر بين البشر.
مخاطر أمنية
يبين عبدالعزيز ياسر، وهو مشرف في أحد تطبيقات التوصيل أن هذه الحالات تشكل ثغرة حقيقية في منظومة السلامة التي تعتمد عليها تطبيقات التوصيل. فالأسماء والبيانات ليست مجرد تفاصيل شكلية، بل أدوات تعريف تُستخدم في حالات الطوارئ، الشكاوى، أو التحقيق في أي حادث.
ويوضح أن «استخدام اسم نسائي لراكب ذكر قد يضع السائق في موقف مفاجئ وغير محسوب، ويخلق حالة من التوتر أو سوء الفهم، خاصة في مجتمعات محافظة تراعي خصوصية التعامل بين الجنسين».
ويضيف «قد يستغل هذا السلوك في حالات التحايل أو الاعتداء أو التملص من المسؤولية، مما يصعّب عملية التتبع والمساءلة القانونية».
ويرى أن «استمرار هذه الممارسات يضعف الثقة بين أطراف الخدمة، ويقوض الجهود المبذولة لرفع مستوى الأمان الرقمي والميداني».
سلوك وتداعيات
يشدد الأخصائي الاجتماعي كامل عبدالجبار على أن هذه الحالات تعكس خللًا في الوعي بمفهوم المسؤولية الرقمية، ويقول «التلاعب بالهوية، حتى لو بدافع المزاح أو التجربة، يُسهم في تطبيع السلوك غير الصادق داخل الفضاء الرقمي. كما أنه يعزز الشكوك المتبادلة بين المستخدمين والسائقين، ويؤثر سلبًا على صورة المجتمع في الالتزام بالقيم والأعراف».
وحذر مختصون اجتماعيون من أن التساهل مع مثل هذه التصرفات قد يؤدي إلى انتشارها، ما يخلق بيئة رقمية غير آمنة، خاصة للنساء اللاتي تعتمد كثير منهن على هذه التطبيقات بثقة وحذر.
كذب وتدليس
من المنظور الشرعي، يقول الباحث الشرعي فيصل القحطاني أن «استخدام اسم غير حقيقي بقصد إيهام الطرف الآخر يُعد نوعًا من التدليس والكذب، وهو أمر منهي عنه شرعًا. فقد شدد الإسلام على الصدق والوضوح في التعاملات، وحرّم كل ما يؤدي إلى الغش أو الخداع. كما أن انتحال صفة مغايرة للحقيقة، ولو في اسم المستخدم، يدخل ضمن دائرة التلاعب الذي قد يترتب عليه ضرر للغير، سواء للسائق أو لشركة التطبيق».
ويرى مختصون شرعيون أن مبررات الخوف أو الخصوصية لا تبيح الكذب، خصوصًا مع توفر بدائل نظامية كالتواصل مع الشركة أو استخدام إعدادات الأمان المتاحة داخل التطبيق.
ولكل ما سبق، فإن الأصل في هذا السلوك عدم الجواز شرعًا لما يحمله من مخالفة صريحة للأمانة.
وبين مخالفة شرعية، ومخاطر أمنية، وآثار اجتماعية غير محسوبة، تتضح خطورة استخدام أسماء نسائية من قبل ذكور في تطبيقات التوصيل. ورغم بساطة الفعل في ظاهره، فإن نتائجه قد تكون جسيمة. ويبقى الحل في تعزيز الوعي، وتشديد الرقابة، والتزام الصدق، فالأمان في العالم الرقمي يبدأ من هوية صحيحة وتعامل مسؤول.