ربما صورةٌ عابرة، أو لحظةٌ لا وزن لها في ظاهرها، كانت كفيلة بأن تعيدنا ـ دون استئذان ـ إلى البدايات الأولى من ذواتنا. هناك، حيث يسكن الحنين، ويتشكل ألم الفقد لا كحدثٍ عابر، بل كحقيقةٍ ملازمة للوجود. فالفقد لا يُقاس بالغياب، بل بمقدار ما تركه الحضور فينا؛ وكلما اتسعت مساحة المحبة، اتسع معها وجع الغياب، لأننا وحدنا نعرف كيف تصبح الحياة حين يفقد المعنى وجوهه الأولى: بلا طعم، بلا لون، وبلا يقين.

‏يرحلون، وتبقى ذاكرتهم كمرآةٍ نرى فيها هشاشتنا كلما تعكّر صفو العالم. يرحلون، ويبهت الفرح، لا لأنه غاب، بل لأنه فقد شاهده. وكأن الحياة لم تكن جميلة في ذاتها، بل كانت تستعير جمالها من حضورهم. لم يكونوا مجرد عزاءٍ للألم، بل كانوا نافذة الأمل التي نطل منها على الحياة، والنور الذي يجعل تفاصيلها محتملة وجديرة بأن تُعاش.

‏رحل جدي عبدالرحمن، رحمه الله، وترك لنا إرثًا لا يخضع لقوانين الوراثة المادية؛ إرثًا من الحكمة، وحسن الخلق، وصدق الأثر. لم يترك لنا شيئًا يُمسك باليد، لكنه ترك ما يستقر في القلب، ذكرى نعود إليها كلما أثقلت الأيام خطانا، محمّلة بابتسامةٍ لا تزال قادرة على تهدئة الروح.


‏كان الأب بمعناه الوجودي، لا بوصفه فقط، والسند الذي تتكئ عليه الأرواح قبل الأجساد، والعزوة التي يجد فيها الإنسان ذاته حين تضيق به الطرق. كان البلسم الذي لا يُداوي الجراح فحسب، بل يمنح الألم معنى، والحلاوة التي لا تأتي إلا بعد مرارة الصبر. لم يعرف الكِبر طريقًا إلى قلبه، لأن التواضع لم يكن خُلقًا عنده، بل طريقة عيش.

‏وعندما رحل والدي، رحمه الله، وجدت نفسي في فراغٍ لا يُحتمل، فإذا بجدي عبدالرحمن يحضر لا كمواسٍ فحسب، بل كامتدادٍ للرحمة ذاتها، كأنه يقول بصمته قبل كلماته: ما دام القلب ينبض، فلن تكون وحدك. جاء وهو يحمل ألمه الخاص، فقد ابنه وأعز أبنائه، ومع ذلك كان يقتسم معنا وجعنا، ويؤثر مواساة غيره على حزنه.

‏كلما ضاقت بي الحياة، أتيته محمّلًا بثقل الأيام، فيأخذ عني شقاءها، ويعيد ترتيب فوضى الروح بكلماتٍ قليلة، ولطفٍ صادق. أغادره وكأنني وُلدت من جديد. لم يكن جدًا فحسب، بل كان الأب الروحي للعائلة بأكملها، نموذجًا للصبر، شاهدًا على المعاناة، رجلًا ذاق الجوع، وعرف الحرمان، واختار برّ والديه على كل ملذات الدنيا، فبقي عند أقدامهما حتى رحلا، رحمهما الله.

‏وبكل صدقٍ لا يحتمل المبالغة، لم أعرف اليُتم يومًا كما عرفته بعد رحيله. برحيله انكشفت الدنيا على حقيقتها، وتدفقت الهموم من كل الجهات. كان وجوده عزلةً عن القلق، وغيابه مواجهةً مباشرة مع ثقل الحياة. لم أفقد جدي فحسب، بل فقدت أحد المعاني الكبرى التي كانت تجعل الحياة ممكنة.

‏رحمه الله، كان رجلًا اتسعت روحه للناس جميعًا، عُرف بسعة الصدر، ولين الجانب، وصفاء المقصد. حمل همّ الدين لا كشعار، بل كوجهةٍ أخلاقية، وجعله بوصلته في الحياة، وكان يوصينا به لأنه الباقي، وما عداه عابر مهما طال.

‏رحم الله جدي عبدالرحمن بن عبدالعزيز الأحمد المطرودي البدراني الدوسري، وجمعنا به في جناتٍ عرضها السماوات والأرض.