أثار فتح وزارة التعليم باب التقاعد المبكر للمعلمين، وتمديده لأكثر من مرة منذ نهاية العام الدراسي الماضي، وعلى فترات زمنية متقاربة تضاربا في آراء التربويين والمعلمين حيال هذه الخطوة التي وسعت مساحات النقاشات حول جدواها من عدمه، وحول آثارها التي يمكن ترتبها، وانعكاساتها على العملية التعليمية، وعلى الأخص ما تعلق منها بموضوع تجديد دماء التعليم ورفده بكوادر أكثر شبابًا، أو باستنزافه للخبرات التي يرى كثيرون ضرورتها لإبقاء زخم هذه العملية في أوجه.

وفي الوقت الذي رأت فيه وزارة التعليم قرارها خطوة تنظيمية مرنة تستجيب لمتطلبات التحديث، وتسهم في تجديد الكوادر، قرأها بعض المعلمين على أنها وضعتهم أمام مفترق طرق، مهنيا وإنسانيا، لاختيار إحدى الخطوتين المصيريتين، إما الاستمرار في رسالة التعليم، أو مغادرتها مبكرًا ولو أن هذا يأتي بعد سنوات طويلة من العطاء، فيما يؤكد البعض الآخر أن معالجة ما يُسمى بـ«شيخوخة التعليم» في إشارة منهم إلى أن معلمون سيغادرون التعليم مبكرًا بعض الوقت، ولن يكون مضطرين لانتظار سن التقاعد الرسمي المحدد سابقًا، حيث يرى أنصار هذا الرأي الثالث أن «شيخوخة التعليم» لا ترتبط بالعمر الزمني بقدر ما ترتبط بمرونة المعلم المهنية، وقدرته على تطوير ذاته ومواكبة النقلة المذهلة في مجال التعليم.

خطوة مرنة


كانت وزارة التعليم قد فتحت باب التقاعد المبكر للمعلمين، شرط أن يكون المعلم قد أكمل 25 سنة في التعليم فأكثر، وسهلت ومددت التقديم على هذا التقاعد، وفي هذا الصدد أكد مدير عام شركة دار الأحفاد للتعليم، رئيس النادي الأدبي في نجران سعيد بن علي آل مرضمة أنه يمكن النظر إلى هذا القرار من زاوية تربوية وتنظيمية متعددة الأبعاد، تجمع بين متطلبات التطوير المؤسسي، وضرورة الحفاظ على رأس المال البشري في الميدان التعليمي، حيث يعد قرار تسهيل وتمديد فترة التقاعد المبكر خطوة تنظيمية مرنة تعكس إدراك الوزارة لاختلاف قدرات المعلمين واستعدادهم لمواكبة التحولات الحديثة في التعليم.

وقال «من المنظور التربوي، يتيح القرار خيارًا إنسانيًا ومهنيًا للمعلمين الذين قد يجدون صعوبة في التكيف مع الأنظمة الجديدة، دون الإخلال بمبدأ الاستمرارية المؤسسية والإحلال بالكفاءات المهنية ما دون عزل الخبرات المهنية المتراكمة على مدار السنوات الماضية من خلال أندية مجتمعية وإقامة مجتمعات التعلم المهنية وتقام في المعهد الوطني للتطوير المهني التعليمي».

فقدان الخبرات

في نفس الوقت، حذر آل مرضمة من مخاطر محتملة لخروج عدد كبير من المعلمين ذوي الخبرة، وفي مقدمتها فقدان الخبرات التراكمية والمعرفة الضمنية التي لا تُكتسب بالتدريب السريع، مثل إدارة الصف، وفهم الفروق الفردية، وبناء العلاقات التربوية مع الطلاب والمجتمع المدرسي.

كما رأى أن هذا الخروج قد يؤثر على جودة الإشراف غير الرسمي داخل المدارس.

لكنه اختتم مشددًا على أن «نجاح قرار التقاعد المبكر لا يُقاس بعدد المغادرين، بقدر ما يُقاس بقدرة النظام التعليمي على تحقيق التوازن بين التجديد والمحافظة على الخبرة، بما يضمن جودة التعليم واستدامة التطوير».

رفض التقاعد

رائد النشاط الطلابي في ثانوية «الملك» حسين بن أحمد آل اسحاق، الذي تنطبق عليه جميع اشتراطات التقاعد المبكر، يرفض قرار التقاعد المبكر، وهو يعلل رفضه للقرار بالقول «أنا متحمس للتدريس، وأجد فيه إحساسًا بالرضا والمتعة، ولدي شعور أن لي تأثير بشكل إيجابي على حياة الطلاب، وأشعر بالمسؤولية تجاههم، فضلًا عن أن التدريس يساعدني على التعلم المستمر وتطوير مهاراتي ومعارفي».

استقرار مالي

يضيف آل إسحاق، موضحًا «لست مستعدًا للتقاعد المبكر بسبب الاستقرار المالي الذي يوفره لي التدريس، فهو يحقق فرص التواصل مع الزملاء والطلاب وأولياء الأمور الكرام، والأهم من كل ذلك أنني أشعر من خلاله بالاحترام والتقدير من الطلاب وأولياء الأمور والمجتمع».

ويضيف أنه يعمل جاهدًا على مواكبة التغييرات الحديثة في المناهج ونظام التعليم، من خلال المشاركة في الدورات التدريبية، وورش العمل، التي تعزز من مهارات التدريس، وتوفر أحدث المعلومات حول المناهج الجديدة، والتواصل المستمر مع أقرانه المعلمين لتبادل الخبرات والمعلومات حول أفضل الممارسات في تطبيق المناهج الجديدة، وفي مقدمتها دمج التكنولوجيا في العملية التعليمية لتحسين تجربة التعلم، وتسهيل الوصول إلى الموارد التعليمية، مع فهم احتياجات الطلاب، وتكييف أساليب التدريس لتلبي هذه الاحتياجات، فضلًا عن تقييم فعالية المناهج الجديدة، وتعديل الأساليب بناءً على النتائج، ناهيك عن تعزيز مهارات التعلم الذاتي لدى الطلاب لتمكينهم من التعلم المستمر، كما أنه من الأهمية بمكان إشراك أولياء الأمور في عملية التعلم وتزويدهم بالمعلومات حول المناهج الجديدة.

زيادة الأعباء

يرى آل إسحاق أن «خروج المعلمين من الميدان التعليمي بقرار التقاعد المبكر يؤثر بطريقة مباشرة على بيئة العمل داخل المدارس، فخروج المعلمين ذوي الخبرة قد يؤدي إلى فقدان المعرفة والخبرة التي اكتسبوها خلال سنوات العمل، كما أن خروج زملاء العمل يمكن أن يؤدي إلى زيادة الضغط على المعلمين الباقين، خاصة إذا لم يتم تعيين معلمين جدد لتعويض النقص، كما أن قرار التقاعد المبكر للمعلمين يمكن أن يؤثر على الروح المعنوية للمعلمين الباقين، خاصة إذا كانوا يشعرون بالارتباط الوثيق بزملاء الذين قرروا التقاعد مبكرًا».

دعم المعلم

تؤكد المعلمة في الابتدائية العاشرة بشاير الأحمد، التي اتخذت قرار التقاعد المبكر، أن ظروفها الأسرية، خاصة مع اختلاف الفئات العمرية لأولادها وبناتها، أسهمت بشكل مباشر وكبير في حسمها اتخاذ قرار التقاعد المبكر، فضلا عن إدخال الأنظمة الإلكترونية الحديثة في نظام الحضور والإنصراف من وإلى المدرسة.

وأشارت إلى أهمية دعم المعلمين والمعلمات لمواكبة التحولات في المناهج، ومعالجة بعض احتياجاتهم للحد من اتخاذهم قرار التقاعد المبكر، مثل عدم كفاية التدريب، والتطوير المستمر، والضغط الزمني لتطبيق المناهج الجديدة.

التسرع في القرار

من جانبه، وجه مدير الإعلام والعلاقات العامة في تعليم نجران سابقا حمد بن عبدالله آل شرية، رسالة للمعلمين والمعلمات الذين تنطبق عليهم قواعد التقاعد المبكر، قائلًا: «يجب عليهم عدم اتخاذ قرارات متسرعة، والتفكير فيما يجعلهم سعيدين بحمل رسالة التعليم النبيلة، وما هي الأهداف التي يريدون تحقيقها».

وأضاف «إذا كان المعلمون أو المعلمات يشعرون أنه ما زالت لديهم القدرة على تقديم الكثير، فليس عليهم أن يترددوا في الاستمرار، أما، على النقيض، إذا كانوا يرون أن الوقت قد حان للراحة والاستمتاع بالحياة، فليبادروا إلى اتخاذ قرار التقاعد».

وشدد على أن قرار التقاعد المبكر يبقى قرارًا شخصيًا، ولا أحد يمكن أن يتخذه عن الآخر، وقال ناصحًا «استمع إلى قلبك، واتبع ما يجعلك سعيدًا».

كما أضاف «أخيرًا، تذكر أنك ستظل جزءًا من المدرسة والمجتمع، بغض النظر عن قرارك. فلا تتردد في البقاء على اتصال ومواصلة العمل على المشاريع التي تهبك الحماس».

صعوبة الاختيار

يوضح معلم التربية الخاصة في مدرسة عمورية المتوسطة وبرنامج الأمل محمد آل شيبان أن «الخيار صعب، وأخذ القرار أصعب في ظل التوجهات الجديدة في التعليم والتي قد لا تتناسب مع قدامى المعلمين، مع أن التطوير مطلب».

وأضاف «وجد بعض المعلمين أنفسهم أمام تيار عاتٍ قد لا يتناسب مع قدراتهم الحالية بعدما أرهقتهم السنين، ودبّ فيهم الضعف الجسدي نتيجة الاحتراق النفسي الوظيفي بحكم تغييرات متسارعة أحدثت فجوة ما بين الخيار والقرار بالنسبة لهم».

وتابع «من المعلمين من لا يزال شغفه موجودًا، لذا قرر أن يكمل المسيرة والرسالة السامية بنقل خبراته ومعارفه والتي قد لا تتوازى مع الحلة الجديدة، وقراره قد يكون للطريق المنحدرة بالنسبة له، ومنهم من يعيش بين الماضي والحاضر ويتأمل مستقبل الحاضر بأداء ضعيف وقرار متذبذب وكل يوم قريب من مقبض باب مخرج الطوارئ للتأكد بأنه يعمل.

فمنهم من قرر أن لا يغامر ويفشل في مستقبل قادم واكتفى بمسيرة عطرة وأختار أيقونة الخروج المبكر، ومنهم من يرى بأن الخروج مطلب وضروري وحان وقته، ولكن العقبة كبيرة، والحسبة المالية لا توفي مع ما تبقى من العمر، فهو الآن يصارع فكرة الخروج مرغمًا على مبدأ مكره أخاك لا بطل».