وفي وقت يرى كثيرون في هذا التصرف مجرد تصرف عابر، إلا أن مختصين يشددون على أنها قد تضع صاحب الحساب في خطر حقيقي قد يصل إلى دائرة الاشتباه القانوني، وقد تجرّه إلى تبعات جسيمة.
شبهة غسل الأموال
يوضح المستشار القانوني، عاصم محمد، أنه وفق نظام مكافحة غسل الأموال في السعودية، يُعد تمكين الغير من استخدام حسابك لإخفاء مصدر أموال مشبوهة، أو تمريرها، جريمة يعاقب عليها النظام، حتى وإن ادعى صاحب الحساب عدم علمه بتفاصيل العمليات، وقال «القانون ينظر إلى الحساب باعتباره مسؤولية شخصية، وأي حركة مالية تمر عبره تُنسب لصاحبه مبدئيًا».
جرائم احتيال إلكتروني
يشير المستشار الاقتصادي، خالد مبارك، إلى أن السنوات الأخيرة شهدت تصاعدًا في قضايا الاحتيال المالي عبر المنصات الرقمية، وقال «غالبًا ما يلجأ المحتالون إلى استئجار حسابات بنكية لاستقبال الأموال المسروقة، ثم سحبها سريعًا، وعند اكتشاف الجريمة، يكون أول من يُستدعى إلى التحقيق هو صاحب الحساب المسجّل رسميًا، ما قد يؤدي إلى تجميد أرصدته وإيقاف خدماته لحين انتهاء الإجراءات».
تجميد وإيقاف
يؤكد الخبير التقني عادل ماهر أن البنوك ملزمة بتطبيق أنظمة الامتثال ومراقبة العمليات غير المعتادة، وقال «في حال الاشتباه، يتم تجميد الحساب فورًا، وإحالة الحالة للجهات المختصة، وقد يترتب على ذلك إدراج الاسم في قوائم المراقبة المالية، ما يعيق فتح حسابات مستقبلًا، أو يمنع الحصول على تسهيلات ائتمانية».
مسؤولية مع حسن النية
يشدد المستشار القانوني، نواف محمد، على أن بعضهم يعتقد أن توقيع تعهد بينه وبين الطرف الآخر يحميه قانونيًا، حيث يبادر بعدها إلى فتح حساب وإعطاء الحساب للآخر، وقال «في الواقع لا يُعتد بهذه الأوراق الخاصة أمام الجهات المختصة إذا ثبت استخدام الحساب في نشاط غير مشروع، فالمسؤولية الجنائية قد تقوم على الإهمال أو التواطؤ، وليس فقط على القصد المباشر».
استغلال الحاجة
يجمع عدد من المحامين على أن المحتالين يستهدفون فئة الشباب، أو من يعانون من ضائقة مالية، عارضةً عليهم مبالغ متفاوتة مقابل «تأجير» الحساب البنكي، إلا أن المبلغ البسيط قد يتحول إلى قضية جنائية تكلّف صاحبها سنوات من التقاضي، وغرامات مالية، وربما عقوبات تصل إلى السجن فترة طويلة.
ويجمعون على أن الحساب البنكي ليس مجرد رقم، بل هو هوية مالية كاملة ترتبط باسم الشخص وسجله المدني، وأن أي استخدام غير نظامي له قد يضع صاحبه في مواجهة تهم جسيمة؛ لذلك فإنهم ينصحون الجميع بعدم تمكين أي شخص آخر مهما كانت الصلة به من استخدام حسابهم البنكي، والإبلاغ فورًا عن أي طلب مشبوه، مؤكدين أن المال قد يعوّض، لكن السمعة والسجل القانوني يصعب ترميمهما.
أضرار اجتماعية
من جانبه، يقول الاستشاري الاجتماعي، عطيه الغامدي: «لا تُعد ظاهرة إعطاء الحساب البنكي للغير مجرد مخالفة مالية، بل مؤشرًا على خلل في الوعي والثقافة القانونية لدى بعض الأفراد، فالمجتمع يقوم في أساسه على الثقة، وعندما تتحول الحسابات البنكية إلى أدوات تُستغل في تمرير أموال مجهولة المصدر، فإن ذلك يضرب هذه الثقة في عمقها».
وأكد أن «الحساب البنكي يمثل هوية مالية شخصية، واستخدامه من قبل آخرين يُضعف مفهوم المسؤولية الفردية، بعض الأشخاص يبررون الفعل بحسن النية، أو بدافع مساعدة صديق، لكن المجتمع الحديث قائم على مبدأ «المساءلة الفردية»، حيث يتحمل كل شخص تبعات ما يُسجّل باسمه».
وأضاف: «غالبًا ما تُستهدف الفئات ذات الدخل المحدود، أو الشباب الباحثون عن دخل سريع، وهنا يتحول الفقر أو الضائقة إلى مدخل للاستغلال، ما يعكس حاجة ملحّة لتعزيز التوعية المالية في المدارس والجامعات، وتكثيف الحملات الإعلامية التي توضّح خطورة هذه السلوكيات».
وشدد على أن «أي انتشار لمثل هذه الممارسات يُضعف الثقة بين الأفراد والمؤسسات المالية، فحين ترتبط الحسابات البنكية بجرائم احتيال أو غسل أموال، تتشدد الإجراءات على الجميع، ويدفع المجتمع ككل ثمن تصرفات قلة غير واعية».
ثقافة المجاملة
يواصل الغامدي الإشارة إلى أنه «في بعض البيئات، قد يُنظر إلى رفض إعطاء الحساب لآخر على أنه قلة ثقة أو إحراج اجتماعي»، ويحذر من أنه يجب أن يعلو الوعي القانوني على المجاملات، فحماية النفس والأسرة من المساءلة أولى من أي اعتبار اجتماعي عابر.
ويوضح أن إعطاء الحساب البنكي للغير ليس مجرد خطأ فردي، بل سلوك يحمل آثارًا تمتد إلى الأسرة والمجتمع والاقتصاد، والمعالجة لا تكون فقط بالعقوبة، بل ببناء ثقافة مالية واعية، تعزز مفهوم أن «الحساب مسؤولية»، وأن حماية السمعة والسجل القانوني مسؤولية شخصية لا تقبل التنازل.